عيشة

Photo credit © Karim El-Hayawan

مساءُ الخير يا عيشة.. الجو حارٌ ورطبٌ وخانق كما يجدرُ به في مثل هذا الوقت من العام وثمة ذبابة تحلق في الغرفة وتزعجني بطنينها، ورغم ذلك فأنا أشعر بالسعادة، أشعر بنوعٍ غريب من الراحة والابتهاج، ولربما كان شعوري بالراحة كشعور مخمورٍ أفرغَ ما في معدته لتوّه ويتهيّأ لنومٍ عميق هو ما يدفعني الآن للكتابة إليك لآخر مرّة. اليوم بعد أن استيقظتُ من الوهم أنظر ورائي وأضحك، أضحكُ على نفسي يا عيشة وعليك شاعراً بالسخرية من كل اختياراتك في الحياة، تلك الاختيارات التي قمتِ بها فانهالت على رأسي كالمطارق المتتالية لأفيق من وهم غرامك المدمّر. كنت أتخيّل كل شيء حتى تخيلت ألف طريقة لفراقنا وموتي و موتك، لكن لم أتخيّل مطلقاً أنك ستتخلين عن الثورة وأنك ستعودين إلى بلدتك الصغيرة كي تتزوّجي ابن عمك ثم تخفين وجهك إلى الأبد، شعرتُ بالذهول يدهسُني لأني أدركت مدى قسوة انكشافِ الزيف، وعرفت أنّ أعظم لحظة في الوجود هي لحظة اكتشاف الحقيقة، عندما أدركت أنني أحببت فكرة لا علاقة لها بشخصك الحقيقي، عندما رأيتك على حقيقتك؛ عندما سقط القناعُ عن القناع.

كنت أتخيل أننا سنكوّن ثنائيا عظيماً، كنت أتخيّل أننا سننطلق من مدينتنا لنغزو العالم ونقلبه رأساً على عقب بفنوننا وإبداعنا وثورتنا، لكنني فجعتُ فيك كيف أنك لا تريدين هذه الحياة، وأنّك قانعة وسعيدة بدور ربّة المنزل، تتنقلين بين طبخة وضجعة ونزهة، حتى أغانيكِ الكاذبة عن الحرية لا تريدين أن يستمع إليها أحد، مكتفية بعزف البيانو في حفلات الشاي المملة التي تقيمينها لأصدقائك وبالغناء في الحمام والدندنة لأطفالك قبل النوم، وأنا لا أفهم ما قيمة أي إبداع إن لم يخرج من قلب المبدع كالرّصاصة ليستقر في قلب المتلقي بنفس الطريقة، ما قيمة أيّ إبداع إن لم ينطلق تحت الشمس ليقلب العالم رأساً على عقب ويخلّد صانعه وإلا تعفّنَ الخالقُ مع المخلوق في الظلام والرّطوبة. لكنها كانت جدليتنا الدائمة حول معنى الخلود، كنت أحدثك عن تفاهة الموت البيولوجي الذي ينفيه خلود الإبداع، لهذا أنت غير متصالحة حتى اليوم مع فكرة الفناء أو الشيخوخة بل ترتعبين منها، حتى هوسك بالانتحار كفكرة تمثلُ العمل الإراديّ الأعلى هو مجرد تعبير عن نكوصك عن الصمود في وجه تغيرات الحياة، هو بحثك عن كمال الصورة السطحيّة بصرف النظر عن العمق والقيمة، هو دفاعك عن خوفك من الفناء وذهاب الشباب بصورة مغلوطة سطحيّة، ترتدي قشرة الإرادة كي تخفي جوهر العجز عن التكيّف والتفاعل، عن الفعل وردّ الفعل. لكني أعرف المعنى الحقيقي للحياة، و بحسب تصنيفي أنت نصف ميّتة يا عيشة.

اليوم أصبحتُ أصلب بكثير مما كنتُ عليه يوم الفراق، وبإمكاني أن أمارس التصنيف والأرشفة عليك كما يروق لي، بل أن أقف مرفوع الهامة على منصّة القضاء وأضعك خلف القضبان وأشير إليك بإصبع الاتهام ثم أتسلّى بإصدار الأحكام، وأقول في حيثيات الحكم إنك مزيّفة يا عيشة.. مزيّفة.. مزيّفة.. مزيفة.. أنت مزيّفة ومروّجة للزيف.. وإن كل إبداعاتك الملوّنة بقشور الحريّة ليست تعبيراً عن حقيقة واقعك الذي تعيشينه بالفعل و إنما هي محاولات صبيانية نوستراداموسية مفتعلة للخروج من واقعك المتخلّف الخانق إلى عالم من الوهم الملوّن الجميل، أنك كنت تروّجين لأفكار لا علاقة لها إطلاقاً بشخصك الحقيقي، وعند أوّل امتحانٍ تافه رسبتِ بجدارة، مثبتة أنّ واقعك المتخلّف أقوى وأثقل من قشرتك بكثير حتى جذبكِ هذا الواقع المنحط إلى أسفل. إنك حتى لم تكوني صادقة اليوم، أنت مزيّفة حتى في اختياركِ الجديد، فلا أنت مقتنعة بالاحتجاب و لكنك تريدينه إيثارا للسلامة، ولا أنت مقتنعة بالبقاء في بلدتك ولا بالزواج من ابن عمّك لكنك تحنين إلى العودة إلى مجاهل الرحم حيث أمان الحبل السري بعيداً عن معترك الحياة، هل تعرفين ماهيّة شعوري نحو خيارك الجديد؟ لقد شعرتُ بالعــــار يا عيشة، إنه نفس شعور السيّد الرفيع حين تستبدله زوجته بخادمها الذليل، اجتاحني شعور كريه خانق مرير لا يفهم عمق مرارته إلا الأسياد، أسفت على أنك اخترت العبوديّة بعد تشدقك بالحرّية، أنك ما زلت تحملين سجن العبوديّة في أعماقك رغم محاولاتك الزائفة الاستعراضيّة للفرار، لكني لم أمتلكك أبداً فأنت غير قابلة للامتلاك، ولذلك لن أعاتبك على خيارك، فأنت حرّة في ردّتك وفي تخلّيك عن الحرية

كم يثير التقزز خنوع من كنا نظنهم كبارا، فلما تصاغروا صغروا. هلّا فهمت يا عيشة أن كل من ساندوك في موقفك الجبان المتخاذل من رجال السلطة هم مجموعة من الجبناء، أنهم حين دافعوا عن خنوعك المخزي لم يكونوا يدافعون عنك بالذات وإنما دافعوا مذعورين عن أنفسهم؟ أنهم كانوا في تضامنهم معك يفكرون في ذواتهم الضيّقة وحياتهم الأميبيّة التي تهددها بعض الكائنات الأكبر حجماً بقليل، أنهم كانوا يرتعبون ماذا لو حدث لهم نفس الموقف المخيف فجعلوا يعاضدونك من باب إيداع الرصيد. لكن لا أنتِ ولا كل الذين ناصروك في خنوعك يدركون الحقيقة، لا أحد فيكم يدرك أن الموقف ليس مخيفاً وأنه ليس ثمة تهديد لولا كونكم مجوّفين من الأعماق حتى ارتعبتم من مجموعة خيالات مآتة. يومها أطرقت برأسي وعلى شفتيّ شبح ابتسامة وهمست بيقين: ولكنها تدور

اليوم شحبت ذكراك في أعماقي متحوّلة إلى مشهدٍ عابر أو منظر سطحي هنا أو هناك خالٍ من المشاعر كصورة فوتوغرافية صمّاء، تظهر أناسا يبتسمون ابتسامات عريضة لا أكثر تخليداً للحظة كانوا فيها يوماً سعداء، اليوم أتعجب من نفسي كيف نسيتك بهذه السهولة، وإنْ كنتُ أرجّح أنَّ اكتشافي مدى زيفك قد ساهمَ في دفع النسيان نحوي بعجلة تزايديّة، كان ذلك الحدثُ التاريخي يوم أن استيقظتُ ذاتَ صباح لأفاجأ بنفسي وقد نسيتك تماماً فتعجبت؛ أنا الذي كنت فيما مضى أهذي من فرط العذاب، جعلتُ أتساءل أين ذهبت الليالي الطويلة وأنا دافنٌ عينيّ الدامعتين في الوسادة أشهقُ بالبكاء حزناً على عيشة، أتمنى لو يتوصّل العلماء إلى تحديد مركز الحبّ في الجسم الإنساني فأستأصله على الفور، لم أكن أيامها أنام قبل أن أريق بعض الدموع، ولا أنهض من فراشي قبل أن أريق دموعاً أخرى، لكني تماسكت بقوّة منتهى التعقّل؛ مدركاً أن العذاب الذي أعانيه؛ على فظاعته؛ لا يُقارَنُ بالعذاب الذي كان بانتظاري لو طال زمن وجودك أكثر من ذلك في حياتي، تلك الفكرة التي تمسّكتُ بها بعد الفراق، فأنقذتني.

أنا آسف يا عيشة، آسفٌ لأني أحببتك هذا الحب كله، أنا لست آسفاً على الحبّ ذاته، فالحب هو أثمن ما في الوجود، لكني مفجوعٌ في اختياري فجيعة بيجماليون في صنيعته، وجعُ الخديعة ليس فيك أنت بقدر ما هو شعوري بالخديعة في عقلي، ليتني أسامح نفسي على سوء اختياري وانخداعي في قشورك الملوّنة. لقد كنت أتوجع يا عيشة، كانت رؤية اسمك مكتوباً أو سماعه منطوقاً يثيران وجعاً فيزيائيّا حقيقياً في قلبي إذ أتذكّر خيبتي الداهمة في الحبّ، لقد كنتُ يوم هجرتني ضعيفاً جداً، واهناً جداً، وبكيت كثيراً. شعرت بالمرارة يا عيشة، شعرت بالظلم والهوان والخذلان، أما اليوم فأنا أشعر باللامبالاة، لقد عزّاني ضعفك وهوانك أنت، وخوفك من اللا شيء، ورعبك من الوهم، شفيتني بنفسك من وهم حبك بمعجزة متسلسلة من آرائك القاسية في الحب، وخياراتك الفاسدة المتتالية. لقد انفصلنا وأنا غاضبٌ عليك، اليوم لم أعد غاضباً على الإطلاق. لا يحقّ لك أن تغضبي مني بدورك فأنا لم أكن أريد أن أقول لأي مخلوق أني أحبك، كنت أريد أن أحتفظ بك سراً بعيداً عن المشاكل وانتقادات الغرباء، لكنك بعنادك أصررت على العلنية، كنت فرحانة بالشهرة تتباهين بحبي كطفل يتباهى بلعبته الجديدة الملوّنة، فلما ضجر من اللعبة رماها جانباً، جعلتِ مني أضحوكة يوم تباهيت بقدرتك الخارقة على إيلامي علنا، اليوم أصبحت أنت الأضحوكة، لأنك كنت تمارسين القفز بالزّانة في أوليمبياد الأفكار بدون ملابس داخليّة، ولما تعرّيتِ خجلتِ فاحتجبتِ، بينما أقف أنا شاهقا شامخاً عاريا، فخوراً بعريي فوق أنقاض ضعفك وانكسارك واحتجابك، رافضاً حتى ارتداء ورقة التوت. الآن أشعر أني قويّ جداً، وأنني كبير جداً، و أنني صلبٌ جداً. لم أعد أشعر أني ثمل بالحبّ. أنا سعيد يا عيشة.

أريدك أن تطمئني يا عيشة، فأنا لا أحمل لك أي ضغينة من أي نوع، بل كلّي إشفاق عليك لغلظة قلبك وقلّة تجاربك. فقط أنا لم أعد أريدك أن تكوني صديقتي، إن عبء صداقتنا المفتعلة سيكون ثقيلاً بعد كل هذا الحب الذي حملته لك في قلبي، وأنا لن أسعد بوضع لافتة مزيّفة على علاقتنا تطفح بالمزيد من الزيف، لم أعد أريدك أن تعتذري، ولا أن تعودي لتمنحيني الوداع اللائق الذي كنت أتمناه بدلا من ذكرى ذهابك المخجلة، فقط اذهبي بسلام. لقد كنت مخموراً جداً بحبّك يا عيشة حتى فقدت الوعي ومع فقدان الوعي فقدت البوصلة، فقدت ذاتي وهويتي وكياني، أصبحت مجرّد انعكاس في مرآة نرجسيّتك وأنانيّتك ونوستراداموسيّتك المفتعلة، ثمّ سددت ثمن حبّك غاليا من لحمي ودمي، لقد ثملت بالعاطفة حتى تقيّأت حبّك عدة مرات من قبل وهذه الرسالة هي آخر دفعة من القيء، سأنام بعدها نوما طويلا عميقا ثم أستيقظ ناسياً كل شيء عنك.

الوداع يا عيشة، تمنياتي لك بالسّعادة في حياتك. وأعتذر إن كنت قد قسوت عليك قليلاً.

.تحياتي الخالصة، وكوني بخير

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s