وَجَعْ

الفارق بين “الوجع” و “الألم” في فعل الكتابة كبير. الكتابة تعبير عن “وجع” لا عن “ألم”. قد يكون الوجع في جوهره فكرة مجرّدة أو خبرة عقلية ضاغطة تتوق لنفث البخار أو مأساة شخصية. الألم تعبير عن وجع فيزيائي جثماني قد يعالجه قرص بانادول إكسترا، بعض المورفين أو الأفيون، شراب قويّ يليه نومٌ عميق. الوجع حالة عقلية و نفسية لا يفلح معها علاج، إلا فعل الإبداع. لذلك أستاء كثيراً حين أرى كلمة الوجع في فعل الكتابة و قد ابتُذلت و انتُهِكت و اختُزِلت لتعبّر عن الألم. أنظر إلى صوتيّات الحروف ذاتها، تأمل في مواضع النطق و الحركة و السّكون، الواو تأوّه خافت، الجيم شخصٌ يجزّ على أسنانه من المعاناة، ثم العين، ذلك الحرف الحلقي المتوّج بالسّكون، هو محض عواء طويل.

الألم خبطة في قصبة السّاق، صفعة على الوجه، ركلة في صراع ديَكة، إصبعٌ يحرقه رماد سيجارة منسيّة، أما الوجع فهو انسحاق ذاتي مستدام تحت وطأة الأفكار الضاغطة و الفواجع الهائلة، الألم عابر و الوجع مقيم، الألم لحظيّ و الوجع أبديّ، الألم حسيّ و الوجع إنكوبيّ، انهيار للخطط و الأحلام، جاثومية لا استفاقة منها. الوجع هو يوم أن دفنتُ جثة ابني، يوم أن رحل أبي، يوم أن انهارت عقيدتي، يوم أن خسرت صديق عمري، يوم أن خبرت الوحدة في أكمل و أقسى معانيها. هذا وجع لا خلاص منه إلا بفعل الإبداع أو الانتحار، أما الآلام فتأتي و تزول، أرحّب بها أحيانا لتلهيني عن فداحة الوجع.

أميرة طاهر

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s