Rosebud

في المسافة القصيرة بين الوقوع في غرامك و التخلص منه ضاعت أشياء كثيرة. فقط أتذكَّرُ ليلةَ استسلامي للحقيقة من بعد طول عناد أنّي وقفت أمام صنمك المُهشَّم مُطرقة الرَّأس في حزنٍ عميق أهمسُ بأسي “كم أتمنى لو كنتَ حقيقة”. أتذكَّرُ؛ لأنَّ الوجع كان لا يُحتمل؛ كأني كنت أسمعُ صوتَ تكسُّر ضلوعي ضلعًا ضلعًا تحت ثقل الحقيقة ثم أشعر بركلة مجهولة المصدر تهشم فيّ عظْمة القصّ. إنَّ حبك على زيفه كان يجعلُ الحياة مُحتملة، فكرةٌ مُسليّة و لطيفة، معزّ و مُسلّ عن الآلام؛ لهذا أستغرب من يؤكدُ لي أنّ الخلاصَ منك كان ممتعًا و سهلاً و مريحًا للأعصاب، و أنّهُ في غمرة مباهج الخلاص أصبح أسعد و أعقل. كذب. لم يكن التخلّص من محبتك سهلاً، كان صراعًا و معاناة و عذابًا و مكابرة، ثم الانحشار الطويل في الليمبو بانتظار غودو درءًا لهزيمة منكرة، الأمر يشبهُ تقشير الجلد و ترك الأعصاب مكشوفة على كافة المؤثرات الحسّية كأسلاك كهربيّة عارية مغروسة مباشرةً في اللحم. لكني رغم كل شيء أريد الروزباد خاصتي، أردتك يومًا أن تعتذر عن تشويهي إلى هذا الحد، عن إفساد علاقتي بذاتي عبر تصوير كل خدمة أقوم بها لك باعتبارها خدمة تقدمها أنت لي. بدأتُ أفيق حين بدأت أكتشف الأحابيل في كلامك، تخبُّط ما كنت أعتقده مقدَّسًا من كتبك، أفكارك الراديكالية شديدة الانفصال عن الواقع، واقع العالم و واقعي و واقعك؛ أنك لم تكن أكثر من قوَّاد نرجسي يتحدث طويلاً عن الحريّة فقط ليستعبد الآخرين، صنعتني نسخة شائهة منك لترضي غرورك و ترى امتدادًا جميلاً شابًا لذاتك الجوفاء، أما عذراؤك المُصطفاة فلم تكن أكثر من مومس؛ حتى الأكذوبة تضخمت و تفخَّمت و خلقت هالة من قداسة حول هذه اللبؤة فعبدها الناس و احترموها و صنعوا لها برجًا في الزودياك. استهلكتني و أسقمتني و أمرضتني. رجعتَ مرة في إشارة إلى أنّك آسف؛ لكني لم أشعر أنك آسف حقًا، و كأنّ كونشرتو علاقتنا بصقة طويلة من أربع حركات و ذلك الاعتذار الميكانيكي البليد هو البصقة/الحركة الرابعة. هل كنتُ أحبّك؟ بلي؛ حدّ العبادة. كان حبًا رائعًا جميلاً داميًا حانيًا فاجرًا فادحًا فاضحًا فاقعًا، يكلله الاقتناع العقليّ التامّ أنك المعبود؛ لا الأكذوبة، ثم لم يتبقّ منك بعد افتضاح الخديعة إلا ذكرى ذابلة كالضوء الخافت في مشكاة منسيّة طالها الإهمال. أين تذهب الليالي الطويلة التي أمضيتها بقلب واجف في صلوات خاشعة و تراتيل دامعة أتلو و أرتّل لك بصوت متهدّج بين يديك؟؛ أين تذهب مئات الشموع المضيئة و أطنان البخور المحروقة بصدق تحت قدميك؟؛ أين تذهب مباهج العبادة و أفراح العيد و تزيين شجرة الميلاد بانتظارك؟، اليوم لم يبق من بهجة شجرة الميلاد إلا الحُليّ في صناديقها، لذعة وثبة القلب صارت عَرَضًا من أعراض ارتفاع ضغطِ الدّم؛ و الفيزياء كفيلة بتفسير الشفق الأحمر ساعة الغروب؛ أما الروزباد فقد ضاعت إلى الأبد. ما أوجع يوم أن تكشفتَ لي عن خُدعة، و أيُّ خُدعة؛ أكبر خُدعة في تاريخي. يوم أنْ عرفتك؛ يوم أنْ فهمتك؛ يوم أنْ رأيتك تترنحُ أمامي ذليلاً عاجزًا مسحوقًا مُهانًا متسخًا موحولاً عاجزًا عن الدفاع عن نفسك أمام ضربة واحدة من الحقيقة. وقفتُ أمام صنمك المُهشَّم مُطرقة الرَّأس في حزنٍ عميق أهمسُ بأسي “كم أتمنى لو كنتَ حقيقة”. أتذكَّرُ. نحّ جانبًا عناقك الضاحك الباكي الطويل الخاوي الذي لن يعوّضني عن عجزك المستديم عن إشباعي؛ العجز الذي أصابني بالمرض، و ملأني بالذبول و الفشل. أنا لا أكرهك؛ صدّقني؛ أنا فقط أحتقرك؛ لقد كان جنود الحلفاء يكرهون رومِل؛ لكنهم كانوا يحترمونه، أنا لا أحترمُك، فقط أحتقرك؛ أحتقرُكَ احتقارًا صافيًا عميقًا رائقًا خالصًا فائقًا كاملاً مكتملاً. أيها الحبيب الذاهب إلى الأبد أنا أريد الروزباد خاصتي، تلك التي لم أعرف كنهها أبدًا، أريد أن أغلق تلك الفجوة العجيبة في صدري كثقبٍ كونيٍّ أسود بروزباد جديدة لستُ أدركُ كنهها بعد، حتى لو أصبحتُ يومًا ما إلهة و أصبح لي مريدين و أتباع أنا لا زلتُ أريد زلاجتي؛ التي هي ليستْ بزلاجة. سأضرب بعكّاز الناسك العجوز في مشارق الأرض و مغاربها أنقبُّ عنها؛ في غابات باريس؛ بين ثلوج الألب؛ في أحراش إفريقيا بينما تدوّي طبول سحرة القبيلة؛ سأشرب الشاي الأخصر مع رهبان التبت و أمضغُ أوراق التبغِ مع القراصنة في المحيط و أضاجع عاهرات ريودي جانيرو بحثًا عن هذا الشيء المفقود؛ الذي لم أعرف كنهه قطّ. يومًا ما سأفعل؛ و سأسألهم جميعًا : ألم تروا الروزباد خاصتي؟ الخوف كلّه أن أجدها ولا أعرف أنّي وجدتها، فتنزلقُ من بين يديّ في خفوت، أو تمرُّ بي في تقاطع طرق دون أن أراها و أشعر بها و لو لمرّة واحدة في حياتي، ثم أتمتم باسمها في التياع و أنا أحتضر على فراش الموت.

العنوان* مستوحى من فيلم المواطن كين للمخرج أورسون ويلز

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s