مسرحية المتزوجون: رؤية مختلفة

عكس الكثيرين أنا أحترم الأعمال الهزلية، فهي على الأقل صادقة ولا تخدعنا. ثمة اتفاق غير مكتوب بين صناع الأعمال الهزلية والمتفرج، يقول المنتج: سوف نقدم لكم فناً هزليا، ويقول المتفرج: موافق، وأنا داخل لأتفرج متوقعاً أن أضحك. لهذا احترمت دوما الأفلام والمسرحيات الهزلية، وأراها قمة في الصدق، الهذار عندما يتطرف يصبح انعكاساً للجد، يلامس شفافية الفلسفة، الفن الهزلي صادق لا يلبس ثوب العبقرية المهلهل، ولا يدعي الوطنية والوعظ ورسالة الإصلاح وغير ذلك من الكلام الكبير.

في مسرحية مصرية بعنوان “المتزوجون”، بعد أن تهرب من سراي أبيها، تُزف لينا/شيرين الفتاة الرقيقة راقصة الباليه في حفل منزلي شعبي متواضع إلى فتي فقير، يتزوجها بدافع من طموحاته وتطلعاته، ويأخذها من عالمها الرقيق الساذج لتعيش معه حياة المتشردين والصعاليك في قبو. تظهر علينا بثوب زفاف أبيض يسبغُ عليها هالة الملاك. تفرح لينا بالحرية وبعيشة القبو، وبمفردات الحياة الجديدة الوضيعة التي هربتْ نحوها من حياتها الهادئة المملة، بدافعٍ هو خليط من الحب والرغبة في التجريب والتمرد والمغامرة، فزوجها الطفيلي يخفي خبر زواجه عن عشيقته المرأة الخمسينية صاحبة البيت، التي تتغاضى عن إفلاسه وعدم سداد ديونه لها في مقابل أن يمارس معها الجنس ويتهرب منها، وفي كل يوم يسأل الفتاة نافذ الصبر بلهجة المحموم: متى سيأتي أبوكِ ليأخذنا من القبو؟! متى؟! متى سنذهب لنعيش مع أبيكِ في السراي؟! ليس معقولاً حين يأتي أبوكِ ويجدنا نعيش في البدروم أن يرضى أن تعيش ابنته الوحيدة في هذه الخرابة. تردّ عليه بدهشة أنها سعيدة حقاً وهي تتخبط في حياتها الجديدة كزوجة تجرب كوارث الطهي وشراء البقالة والدجاج، وتنفقُ بسخاء وبسذاجة السائحين، ويحاول أن يقنعها بأن تأخذه وترجع إلى حياتها الأولى، فيتشاجران طويلاً ويختلفان، كما يظهر في أحد الديالوغات الممرورة بين العاشق النصاب مسعود/سمير غانم، وصديقه حنفي/چورچ سيدهم خريج كلية العلوم قسم الذرة، والذي لا يجد ما يسد رمقه بعد سنوات الكفاح الشاق في مثل هذا التخصص المحترم والنادر، فكلاهما يعمل موظفا بمصلحة المجاري -أيُّ دلالةٍ فاقعةٍ لمصير النابهين في مصر- يضطر حنفي إلى الزواج من الفتاة الجاهلة الغنية نفيسة وهو لا يحتملها، فقط كي يضمن لنفسه العيش على نفقة أبيها الجزار، ويرى أزمته معها “ثقافية” بالدرجة الأولى، إنه يكره حيوانيتها وجهلها وضيق أفقها، فهي لا تعرف شيئا عن فضيحة ووترجيت! وقد فضحته يوماً وأخجلته بسوقيتها في حفل زفاف اصطحبها إليه في فندق هيلتون، فيبغضها ويختنق بها ويتطلع إلى زوجة جميلة ورقيقة ومثقفة مثل لينا. ثم تنتهي المسرحية نهاية مفتوحة، عبقرية وغامضة: ينجح الفتى النصاب في الصعود على كتف حبيبته إلى سراي أبيها، ويعيش الحياة الراقية التي لطالما حلم بها، ويحيط نفسه بالسكرتارية والخدم، ويصطحب معه صديقه وزوجه الجاهلة ابنة الجزار، الذي لا يبالي أن يُهديها عشيقة للبيك في مقابل أن يتخلص منها ويحظى بمن ينفق عليهما معاً، الزوجة التي تتحول إلى عشيقة علنية لمعالي البيك، حيث لا اعتبار للكرامة الزوجية أو الكبرياء المنهزم والمنبطح أمام المال، ويختار الصاعدون الجدد لأنفسهم أسماء جديدة، تنزع عنهم وصم الفقر والأصل الوضيع، وتسِمُهم بوسْمِ الذوق وحُسْنِ المنبت. وبينما تتفسخ تماماً العلاقات العاطفية والإنسانية بين “المتزوجون”، تاركة مؤسسة الزواج الرسمي مشوهة وخاوية أطلالاً فخيمة قديمة تخفي مستنقعات لزِجة وخرائبَ عفنة، تشهدُ على انهيار الحب والأحلام، فإن مسيرة لينا تشهد تحولا ميلودرامياً قاسياً وغير متوقَّع بالمرّة: تختبر “السقوط” بكافه معانيه من مسوخية واضمحلال، لطول مخالطة سكان العشوائيات، فتتوحش شخصيتها، ويعلو صوتها، وتتشوّه ملامحها المرهفة الرقيقة  بتعبيرات عنيفة مكللة بغمز العين وتلعيب الحاجب، وتتخلّق بأخلاق السوقة والدهماء والرعاع، وتتبذَّل في ملابسها وألفاظها، يتحول الملاك القديم إلى شرشوحة بائعة فجل، تفتتح كشكاً للسجائر، لتجالس الخدم والبوابين وتتشاجر يومياً مع العساكر والشاويش

المسرحية مُسلية وممتعة ومليئة بالإفّيهات المسرحية الخالدة، “الفرخة” و”أولّة؟! آوه لالاه” و”السوريسار”، لكنها كاشفة حقاً لو حملقنا فيما وراء الضحك، إذ تكشف حقائق هائلة في صميم تركيبة المجتمع المصري البورچوازي المغلق بشكل نهائي، وفي ظل دولة اشتراكية سلطوية فاسدة ومحافظة، لا تملك الطبقات الفقيرة للصعود إلا طريقين لا ثالث لهما، هما المصاهرة والبغاء. ومهما تعلمت الطبقات الدنيا واجتهدت في العمل يظل بيع الجنس وشراؤه هما طريقها الأوحد إلى الصعود والبقاء. كلٌ بحسب دهائه وقدرته على الخداع والاستغلال واستغفال الأغنياء، فليس ثمة أمل أن يترقى البسطاء أو يحققوا أي شيء بنزاهة بالتعليم والعمل وحدهما وتموت قيمة الحب الجنسي الفردي تحت ضرس الحاجة والقيم الاستهلاكية

أما حان الوقت كي يبحث الشباب عن صيغة مختلفة للحب والزواج في مجتمع تسوده قيم البيع والشراء والمقايضة والاستهلاك؟

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s