الكومبارس: الذين مَرُّوا بخفّة

منذ زمن طويّل كوّنتُ هواية غريبة قليلاً، غامضة المنبع و المعنى رغم متعتها الباهرة: تتبُّع وجوه المجهولين في الشوارع و الأفلام، و محاولة تخيُّل حياتهم، كيف يبدون في بيوتهم، فيم يفكرون الآن، ما نوع معاناتهم و أفراحهم؟. أتمتّع بتأمل وجوه ممثلي الكومبارس الواقفين في الخلفية على حافة المشاهد الكبرى، أركّز وعيي في  استغراقهم الظاهري فيما يفعلون، إذ يبدو استغراقًا في عوالم أخرى بعيدة عن دور البطل، البطل النجم؛ المحبوب؛ معبود الجماهير، الواقف أمام الكاميرا يستولي عليها، أما هُم؛ في أعمق نقطة من وجودهم الذي يشحذونه بعنف، يتركّزُ وعيهُم في ملحمة البطل، بينما يتطلب دورهم تجاهله. أحب تتبع وجوه و أجساد جوقة الراقصات و الراقصين في “التياترو” في الأفلام الأبيض و أسود وراء الفنان النجم و هو يغني و يتلقى بمفرده كل الاستحسان. أحيانًا تبدر منهم استراقة جزعة طارئة أو حملقة باسمة ذاهلة لجزء من الثانية في الدائرة السحرية، العدسة، موضع تركيز أشعة المجد، بوابة التاريخ، ثم يبتلعون بسرعة هائلة جوعهم للنور، و يواصلون تجاهل الحدث الرئيسي، لينغمسوا في أدوارهم الثانوية. أتساءل بفضول عما يفكّر فيه الممثل الثانوي الذي يلعب دور النادل؛ ذلك الذي يأتي و يمضي مطرق الرأس ليضع القهوة أو النبيذ أمام البطل المشغول بملحمته الأسطوريّة. لعل داعبه للحظات و ربما لسنوات الحُلم الفاتن المستحيل أن يقفَ يومًا أمام الكاميرا كهذا البطل. يظهر هؤلاء كمجرد خلفية لا تختلف كثيرًا عن الديكور: زبائن في مقهى يلعبون النرد؛ يرقصون في ملهى؛ يتحدثون أحاديث عابرة وهميّة؛ يعبرون الطريق متظاهرين بالاستغراق في ذواتهم بينما يلتهمهم الوجع و الأمل في بعض الضوء، يأكلهم اليقين المؤلم أنهم قابلين للاستبدال بلا مشاكل، يضنيهم الوجود الخافت، الخفيف، الباهت لذواتهم؛ مقابل الوجود الصارخ، الثقيل، الفاقع للنجوم. يحزنهم أنهم يمرون بخفة؛ هُمْ و العدمُ سواء. فكرت إلى أي مدى قد يكون هؤلاء سعداء محظوظين بالظل، حتى و لو كانوا أحيانًا ناقمين على مرورهم الخفيف راغبين في التواجد الفاقع. قليلون منهم من استغرقوا في متعة التواجد الخفيف، لأن هذا كان أقصى ما يريدونه، أي الاستمتاع بالكواليس، و على أي حال فإن الطفو في المحيط للطحالب و الأخشاب؛ و الغطس للحيتان و غوّاصات الطوربيد.

لا نعرف أين ذهبوا و لا كيف انتهوا.

يموت الأبطال الكبار ميتة أسطورية فضائحيّة أحيانًا، ينفجرون كما النجوم؛ يذيب أجنحتهم الشمعية الاقتراب الشديد من الشمس. يموتون مسوخًا ضخمة ديناصوريّة أو يكادون، بينما يموت المجهولون العابرون الذين مروا بخفة ميتة الملائكة المسالمة الهنيئة؛ من يحزنون عليهم يأسوا كما ينبغي أن يكون الحزن و الأسى، و من حزنوا عليهم هم هؤلاء الذين كان يجب أن يحزنوا فعلاً، لا الغرباء العابرون، الذين لا يشكّل لهم موت البعيدين فارقًا إنسانيًا حقيقيًا.

***

 أعتبر فيلم خلّي بالك من زوزو 1972 من أهم أفلام الحركة الطليعيّة في السينما المصرية، خرج فتيًا من رحم الحركة الطلابية المصرية التي تفجّرت بأحلام كبيرة، و ملأت الشوارع بمظاهراتها و هتافاتها، تدين جيل النكسة، تطالب بالحرب مع إسرائيل. في تلك الفترة شهدت السينما المصرية أفلامًا قاسية الملامح سادية النزعة، كرنكيّة، تدور في فلك جلد الذات، تستنشق بتلذذ مريض بخار الهزيمة، ثم فجأة بدأت تنفض عنها الخنوع و تتألق شعبيتها و جمالها بوحي الحركة الطلابية للطليعة اليسارية الشابة، حتى اكتملت فنيًا في فيلم خلي بالك من زوزو، بدءًا من العنوان الخفيف العامي، مرورًا برصد حقيقي و عارم لحيوية الحركة الطلابية في الجامعة و زخمها و إدانتها لجيل الهزيمة في 1967، و انتهاءًا بحلم العدالة و المساواة. خرج الفيلم من وحي تلك التجربة القصيرة الرائعة، تجربة الوثوب الكبير إلى الحياة و الحرية، حيث طعم الأحلام الكبيرة في كل الحلوق، في حديث كل البيوت. بلا جدال يعد فيلم زوزو فيلمًا تقدُّميًا، ليس فقط لكونه يطرح بقوة المساواة بين الرجل و المرأة في حق اختيار الملبس، السلوك، الشريك، بل في طرحه العنيف الثوري الفاقع لفكرة الحب الحقيقي القادر على تجاوز العقبات و الطبقات و الظروف و مآسي الماضي، و الأهم من كل شيء حق الطبقات الشعبية في تقرير مصيرها و الخروج بالتعليم و العمل من قبضة التخلف و الجهل، بحثًا عن مكان تحت الشمس. مكان تنتزعه بمخالبها و بإرادتها و بالطرق النظيفة و بشرف، دون أن تتعطف عليها كالعادة الطبقات الأعلى، ثورة على السلطة. زوزو فيلم ثوري حافل بسحر “البدايات الجديدة”، تتجسّد فيه في أكثر من مشهد “الحشود الكبيرة” تلك الموحية للجمهور بالاندماج الهائل مع الأحداث. دراميًا في مشاهد الحشود؛ يرى كل متفرّج ذاته في الحشد بشكل ما، يدفعه للتوحّد الفوري العنيف و الذوبان النفسي الكامل في المجموع. حتى في الموسيقى و الغناء كان ثوريًا، فالمخرج سعيد/حسين فهمي العائد لتوه من الولايات المتحدة – كما حسين فهمي في الحقيقة – يدفع بحركة طليعيّة مسرحية تنبذ الماضي و التراث؛ يصرخ باشمئزاز في الراقصين الذين يرقصون ببلادة على أغنية عتيقة من التراث العثمانلي “لما بدا يتثنى” أنهم يفتقرون للحرارة و الحماس اللذين يحركان الفرق الخاصة، و هو سر انفضاض الجمهور عنهم، طارحًا رؤية أكثر طزاجة للفن و الحياة بعيدًا عن قوالبه الجامدة في ندوته بالجامعة. ينتهي الفيلم نهاية حالمة مثالية بالعدالة الاجتماعية و المساواة، يختار سعيد أن يواصل قصته مع زوزو، دون ذكر للزواج بالطبع كحال أفلام الحركة الطليعيّة التقدمية وقتها ثورةً على النهاية الكلاسيّة للأفلام السينمائية القديمة التي تنتهي فيها قصص الحب على يد المأذون، و يحتفي الجميع بربيب القصور و ربيبة التخت، هذا لأنها اختارت أن تسير في “الطريق الصحيح”، أي التعليم و العمل، فاستحقت عن جدارة ترقيها في الحياة. يشوب الفيلم مبالغات خطابية أحيانًا في عدة مواضع: النقاش الحامي بين الطلبة  – تحت تمثال نهضة مصر – عن معنى الفن و تعريف الفنان الجدير بالاحترام من عدمه، و هتاف أحدهم الملتاع الجزع “مش ممكن نسيب الرجعية تدمّر أحسن العناصر”، خطاب زوزو حال عودتها للجامعة لتكمل تعليمها، بل يحمل حتى حلم ابتلاع و تدجين الحركات الإسلامية الوليدة المتشددة المتمثلة في الطالب الرجعي المتزمت محيي الدين اسماعيل.

الجميع يعرفون إلامَ انتهى الحلم الكبير. أجهضت الحركة الطليعية، و التهمتها التيارات الإسلامية في الجامعة، ثم قامت الحرب في 1973 ليصالح السادات أهل شهدائها على قاتليهم. كان لانكسار الحلم آثاره العنيفة على الوطن، و المواطن الإنسان. تغيرت ملامح الحالمين القدامى و اكتسبت خشونة الواقع و جلافته، و غلفت الرؤوس التي كانت يومًا عامرة بالأحلام أقمشة فاخرة تحجبهم عن كل آخر. كانت الوثبة هائلة و التحليقُ عاليًا، التحليق الذي كافأهُ سقوطٌ مروع غير متعمَّد، بذات القدر، بل أقسى، و أسرع، بعجلة تزايدية انصياعًا من الكتلة لجبروت الجاذبيّة الأرضية.

***

فكرت في كل تلك الأحداث  الضخمة، المتجاوزة لكل ما هو شخصي، الذائبة في الفكرة العظمى التي تجسد “المسيرة الكبرى للوطن و الإنسان الحر”  و أنا أشاهد جوقة الراقصات وراء زوزو و هي تغني يا واد يا تقيل. لسبب ما متعلّق بهوايتي الغامضة في تتبع المجهولين وسط المسيرات الكبرى، توقفتُ. بينما أشاهد الأحداث الحماسية المتلاحقة و الاستعراضات، أُخِذتُ بجمال امرأة فاتنة ترقص وسط الأخريات و اجتذب جمالها الطبيعي الكاميرا قليلًا. كانت راقصة بارعة بضة ذات شعر ناعم طبيعي طويل و شفاه شهوانيّة و ساقين طويلتين، مرتدية حلّة رقص من قطعتين ذهبيتين، جعلت ترقص بإخلاص و حرارة، بلا ذرّة واحدة من الافتعال أو الاستعراض أو التردد. أثناء سيري في الغابة أشاهد الطاحونة الهائلة، انفصلتُ عن المتابعة، و سقطت في حفرة الأرنب. مرت بي فراشة. خفقت بأجنحتها قليلاً و حطّت لثانيتين بخفة ثم طارت. بدت تلك الراقصة الجميلة مستغرقة في الرقص بكامل روحها غير مبالية بالكاميرا؛ كأن هذه الرقصة هي آخر ما ستفعله في حياتها، وقت أنْ كانت زوزو تغني محملقة في العدسة. تلك كانت باتعة الراقصة في جوقة  نعيمة ألماظيّة. في الفيلم استسلمت باتعة لواقعها المتدني كمجرد راقصة، لم يحتمل إخلاصها و نقاؤها الغريزيّان عذاب الإهانة من حبيبها و لا شراسة الطعنة في الكرامة، فهَوَت، أرادت أن تنتحر بقتل نفسها، ثم انتحرت بعد ذاك بطريقة أخرى، حلّقت إلى الشمس؛ بعزم التواقين النهمين الذين لم يعد لديهم ما يخسرونه، و أذابت جناحيْها.

 لم يعرف الجمهور أي شيء عن تاريخ باتعة، عن شخصيتها، طموحاتها، مصيرها النهائي في الفيلم، إنها حتى لم تكن ذات قصة مستقلة محورية في الأحداث، ظهرت في السياق الدرامي كمرآة صدئة فقط لتذكّر زوزو بحقيقتها؛ عاكسة وضعها الاجتماعي كإنسانة نشاز في المجتمع المحافظ النظيف غير جديرة بالحب أو الاحترام، و اختفت لتظهر مجددًا؛ لا بشخصها؛ و لكن في جملة عابرة على لسان بيسة الخادمة. لست أعرف على وجه اليقين الاسم الحقيقي لهذه الراقصة الجميلة، و لا أذكرُ أني رأيتها في أيّة أفلام أخرى عدا خلّي بالك من زوزو، كثيرون لم ينتبهوا إلى وجودها من الأصل؛ و قد اكتسحتها في كل المشاهد سعاد حسني بكاريزمية هائلة و حضور وهّاج باتر لكل ما و من يحيط بها، سحقتها بضغط شديد، عنيف، طردتها من المركز إلى الحافة بقوة الطّرد المركزيّ للأجرام السماويّة الضخمة. من المدهش أنّ المرأة اختفت، و لم تواصل التمثيل أو تطوّر مواهبها أكثر من ذلك المشهد الميلودرامي الوحيد الذي ظهرت فيه دامعة تنتحب؛ تنعى هزيمتها كامرأة مُحبَّة، اختفت رغم جمالها الباهر و براعتها في الرقص، رغم أنّ انتحابها الحزين في ديالوج قصير مع زوزو كان يشي بموهبة تمثيليّة خشنة كامنة، تؤهلها ببعض المجهود و الصقل إلى نجوميّة خارقة. أين ذهبت هذه المرأة؟ لا أعرف، و لا أحد يعرف. لعل أحلامها انكسرت على صخر مدبب الأطراف بفعل عنف السقوط؛ كما انحسر حلم الجيل كله في السنين التالية؛ و انتهت كغيرها من الممثلات إلى أحضان البورﭼـوازية المتدينة، لم تختر باتعة في الحقيقة مصير إيكاروس، اكتفت بالوجود الخفيف؛ الخافت؛ العابر.

هذه المرأة مهما كان مصيرها امرأة حقًا محظوظة، لم تصوّر لها نفسها العاقلة في تلك الأيام أنّ سعاد حسني ستكون محل أحد عمليات الكنترول تسجل لها المخابرات شريطًا جنسيًا يستخدمه موافي للضغط عليها، فيصيبها اكتئاب حاد لعقود يترك آثاره العنيفة على نظرتها المنطفئة الخابية، ولا أنها ستموت منتحرة أو مقتولة و قد فتك بها الاكتئاب الشديد بعد أن انتفخ جمالها القديم بالتجاعيد و الكورتيزون، تتجنب الضوء، و الناس، و الصحافة، تحيا وحيدة في مدينة الضباب، بلا زوج و لا أبناء و لا معجبين. إن موت زوزو هو بالضبط موت الحلم، و سقوطه، و عجزه، و تفسخه، و انتفاخه، كحال كل جيل الطليعة السبعينيّة، كتبخّر حلم الحريّة المطلقة ذاته، لحظتئذ أدركتُ أنّ الأسماك الميّتة وحدها تطفو. لعل باتعة قد توفيت شابة دون ان تعاني مذلة المرض و العجز، لعلها قد تزوجت و أنجبت و عاشت في رغد و هناءة، و شهدت من تلفاز غرفتها المصير المأسويّ لزوزو، ثم ماتت جدّة وادعة يحوطها الأبناء و الأحفاد باكين بحرقة ينعون ذهابها، و هم يتداولون صورها الجميلة.

 

  

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s