ما وراء باب الحديد 

image
شاهدت فيلم باب الحديد للمرة الأولى وأنا في الرابعة عشرة من عمري وتأثرت به تعاطفاً مع قناوي، بائع الجرائد الأعرج المنبوذ، المحروم من المحبَّة، ثم مرّت سنوات طويلة ونسيتهُ تماماً حتى شاهدتهُ للمرة الثانية منذ حوالي شهرين، فترك عندي انطباعاً مختلفاً تماماً: انطباعا بالاشمئزاز. الفيلم تحفة سينمائية ولا شك، وأهمُّ ما فيه هو ما قدمه للتاريخ من توثيقٍ لمحطة السكة الحديد بالصورة، كنزٌ من الأرشفة الأسطوريّة لمحطة مصر التاريخية بكل واجهاتها الرسمية ومنشاآها وخباياها وملامحها، لقطات بانوراميّة لقلبِ المحطة وأخرى قريبة للماكينات والآلة. عالمٌ نرى منه سطحَهُ ولا نعرفُ أنّ خلفه ثمة هامش بعد الهامش تحيا فيه كائنات غامضة لن نفهمها، كون موازٍ الصورة فيه غرائبية سوداوية ملطخة بالشحم والقار تناسب تماماً واقعه القاتم. تفاقم الاشمئزاز الجديد بعد إعادة اكتشاف شخصية قناوي بشكل مختلف، فكرت كيف استقبلت الفيلم في الماضي وكيف استقبلته الآن
***
لا يصنف يوسف شاهين نفسه سياسياً أو سينمائياً بأيّ شكلٍ من الأشكال، ظلّ حتى موته بأفلامه وشخصه محل جدلٍ وتكهُّنات، نقاده يرون في أعماله الأولى -باب الحديد والأرض- محاولة مبكرة من برجوازي صغير درس في مدارس وجامعات أجنبية؛ لفهم المعدمين والطبقات الدنيا من المصريين، قبل أنْ يتآكل شاهين تماماً في عزلته الفكرية وأزماته الوجودية التي نشأت من كراهية النقاد لأعماله بفعل التعالي المتبادل بينهم، وانغماسهُ في محاولاتٍ نرجسية لتخليد ذاته عبر دراسة ماضيه وعرض سيرته الذاتيّة في أفلامه، لكن من الواضح أن شاهين في فيلم باب الحديد كان اشتراكياً، لم يكن إنسانيا تلك الإنسانية المطلقة التي تتعاطف مع كافة أصناف البشر وتضعهم على قدم المساواة، إنه يكن للعمال، حتى في أقل درجاتهم الوظيفية كشيالين أمتعة، الكثير من التقدير والإعجاب والاحترام، كلهم يظهرون في الفيلم أسوياء “أخلاقيين” أصحاب مباديء ومُثل عليا: من أبو سريع (فريد شوقي) الذي يحث العمال في مونولوج مسرحي حار على تكوين نقابة رسمية تؤمن لهم الرعاية الصحية والتأمين ضد الحوادث وتخلصهم من استعباد رئيس العمال، إلى الموظفين عمال البوفيه الذين يطاردون الباعة الجائلين ويسلطون عساكر البلدية عليهم لاعتقالهم بتهمة التسول، حتى عم مدبولي (حسن البارودي) صاحب كشك الصحف، الكهل الفاني العارف بالله، صوت الراوي ورمز الحكمة. هكذا يحمل شاهين للبروليتاريا الرسمية الكثير من التقديس، بينما يحمل للمشردين والعاطلين عن العمل الكثير من البغض والمقت، إنه يبغض قناوي البهيم الأعرج المتشرد المقطوع من شجرة، لدرجة رفضه أن يجسّد هذه الشخصية المركبة أي ممثل آخر سواه لانعدام ثقته في قدرة أي مؤدٍ غيره على فهم وتكريس ذاته للدور، وخوفه من ابتذال الدراما الثمينة المتفجرة بالغل والشر في شخصية قناوي، واختزالها في الدرويش النمطي أو الأهبل السينمائي أو كليشي عبيط القرية. عندما جسد شاهين بنفسه شخصية قناوي، تفنن في تصوير حجم القذارة والوضاعة والخلل العقلي والحيوانية في سلوك هذا “البطل الضد”، وما يسببه الحرمان الجنسي الناجم عن التشوه في هذا الصنف من البشر من ربكة في”البوصلة الأخلاقية”، والسايكوباثية التي ضخمها عجزه النهائي عن الحصول على الحب
***
قناوي، بائع الجرائد القبيح الأعرج، الذي يكرّسُ حياته ويرهف حواسه للتلصص على لقاءات المحبين المراهقين في محطة القطار، اللاهث ككلب وراء صور ممثلات مجلة البلاي بوي العاريات صاحبات الأجساد البضة، يقصقصها ويملأ بها حوائط غرفته، يستمنى عليها في أوقات الفراغ، يهذي بأحلام عاطفية حول هنومة بائعة الصودا الحسناء المتوحشة. ترفضه هنومة بفظاظة وتتعالى عليه، فيجن ويقرر أن يقتلها عقابا لها على تعاليها وغطرستها، إنه حتى لم يبتكر فكرة القتل من خياله الفقير، القصور في عقله دفعه لتقليد جريمة مماثلة تداولتها الصحف محاولاً استنساخها بحذافيرها. بعد أن شاهدت الفيلم للمرة الثانية لم يكن لدي أي شك أن يوسف شاهين يبغض قناوي ويحتقره، إنه ككل الاشتراكيين يُعلى من قيمة العقل، وفاقدي العقل عنده مكانهم الطبيعي “الاعتقال” في السراي الصفراء، إنهم بهائم، حيوانات مسعورة شديدة الخطورة، ومن الضروري أن “تعتقلهم” الشرطة حمايةً للمجتمع، وآي ذلك أنه جعل قناوي يقتل، عندما امتلأ قناوي بالغلّ نحو المرأة التي يشتهيها لكونها تعالت عليه، كرهها، وقرر أن يقتلها. بعد محاولة القتل هذي، كفعل ماديّ ملموس، لم يعد قناوي إنسانا مُعاقاً كئيباً محزونا ًمسكيناً يستحقُّ العطفَ والمؤاساة، بل صار قاتلاً، صار مجرماً، بل لقد فقد حتى صفته الأصلية كبهيم، والاشتراكيون لا يحملون ذرة تسامح واحدة مع المجرمين، مع اللصوص والقتلة والعاطلين عن العمل والمشردين في الشوارع وفاقدي التمييز. شاهين الاشتراكي ابن الدولة، يهمه وجود سلطة ما تضع الخطوط الفاصلة بين الخير والشر “لمصلحة المجتمع”، يحتقر سكان العشوائيات ويبجل أبناء الأحياء الشعبية، يتعالى على الدراويش والمشردين ويقدس البروليتاريا والموظفين، ويهزأ بالمناضلات النسويات الغارقات في الجعجعة والكلام الفخيم، اللاتي يهرولن إلى طلاء الشفاه بمجرد أن يعرفن بحضور الصحافيين ثم يكذبن ويقلن إنهن من أعداء حب الظهور (بالمناسبة، المشهد الذي يتمسخر فيه شاهين على المناضلات النسويات أعجبني جداً). ثم إنه أبوي ويحنُّ للعائلة، لهذا جعل هنومة تقول لأبو سريع بإباء: “إحنا لازم نروح فاقوس نكتب الكتاب عند خالتي! إنت فاكرني رمية من غير أهل ولا إيه؟!” اختار لدور هنومة ممثلة “جميلة” تنتظرها عائلة بعيدة ما ليتعاطف الجمهور معها حين يتهجم عليها قناوي الأعرج المعدم المقطوع من شجرة، واختار أنْ يسوّد وجه قناوي بالزفت والقار في المشهد الأخير الذي يتقلب فيه على قضبان السكة الحديد حتى يمقته المشاهدين. لو كان شاهين متعاطفا مع قناوي لجعله شخصاً جميلاً نظيفاً مهندماً حليقَ الوجه سليم البنيان، لكن شاهين تعمد الإمعان في تشويه قناوي من الداخل والخارج، مفسحاً المجال للغلّ الذي يمور في جوفه كي يخرج طافحاً على الشاشة، اكتمل حكمُ المشاهدين على قناوي بشكل نهائي حين بلغ التشوه ذروته، حين رأينا وجهه الشائه الملطخ بالزفت والقار في المشهد الأخير، تلمع في عينيه نظرات جنون مطبق، بينما يخاطبه مدبولي متلطفاً بعقله الذاهب، محاولا امتصاص غضبة جنونه، يعده بأن يزوّجه هنومة. بعد “القتل” لم يعد ثمة مجال للتساؤل والتشكيك إنْ كان قناوي ظالماً أم ضحية، كما يميل الفوضويون والإنسانيون لاعتبار المجرم “ضحية” المجتمع، ويهونون من شأن “المسؤولية الفردية” في الجريمة، كما يميلون بفوضويتهم إلى تمييع مفهوم الجريمة من الأساس كون قوانين الجنح والجنايات من صنع مؤسسات المجتمع، لكن حين استل قناوي سكينه وطعن ضحيته: انتهى، مات الكلام، لم يعد ضحية، لقد صار قاتلاً، وليس في هذا أي فصال. هكذا منع شاهين عامداً كل الإنسانويين من استبطان أو افتراض أي خير باطني في حياة هذه البهيمة، وحرمهم من محاولات الفذلكة لقراءة وتأويل ما قد يخفيه تشوه قناوي من إنسانية مفترضة، فوفر علينا مجهود البحث عن تفسير، وجعل باطن قناوي عبر أفعاله الحيوانية الشاذة مقروءاً بشكل مقزز أمامنا، كبهيم، ككلب مسعور مقروء في غير حاجة الى استبطان.

Advertisements

One thought on “ ما وراء باب الحديد 

  1. اميرة،

    انا بحب فيلم باب الحديد قوي، و لتفرجت عليا كتير…بس عمري ما شفت الفيلم من الزاويه اللي انت شفتيه منها ، بجد حبيت تحليلك قوي ، رووووووووووعه.

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s