سعادة

image

كنا جالستين في محطة السكة الحديد ننتظر ديزل الثامنة صباحا المتجه للإسكندرية، نتحدث عن الحب والزواج والطلاق، وراحت تشكو لي تعاستها مع أزواجها السابقين. و بينما نحن كذلك؛ انبثقت أمامنا فجأة من العدم أسرة صعيدية ريفية، رجل ضخم الجثة معمم و زوجته و أطفالهما. كانت المرأة الشابة سمراء صارمة الملامح تطلّ من عينيها نظرة لامعة منتبهة يزين الوشم ذقنها، تدفع بأطفالها الصغار أمامها الذين لا يختلفون عنها كثيراً في الملامح و المظهر الرّث، تأملناها بلا اتفاق مسبّق، و فجأة قالت: “كيف تحيا هذه الكائنات المتخلفة الجاهلة كالسائمة بلا وعي و لا معرفة؟ يستحيل أن أتخيل أن هذه المرأة كالحة الوجه تستمتع بالجنس على سبيل المثال مثلنا!” ضحكتُ و قلت: “نعم و لم لا؟! هي تعاني الفقر لكن من الواضح أنها سعيدة، أنظري إلى نظرة عينيها اللامعة؛ و الاسترخاء في قسماتها و حركاتها رغم ملامحها الكالحة، هي بالتأكيد أكثر سعادة مني و منك” نظرت لي بعينيها الخضراوين الواسعتين، قالت مستنكرة:” كلا طبعاً، الجنس فعل حميم عقلي بالأساس، و الثقافة أحد أهم مكوناته”، قلت لها بسخرية: “هذا هو الوعي المستعار الذي تتحدثين عنه، استعارة وعي الآخرين المقولب و محاولة أقلمة حياتنا الحميمة و الخاصة عليه، الجنس غريزة قد تهذبها المعرفة، لكنها تظلّ غريزة، عاطفة أصليّة، و الحضارة التي هذبت الإنسان بنوع من المعرفة التراتبية قد خربت وعيه على جوانب أخرى، فطرية و غريزية بالأساس”.. صمتُّ قليلاً؛ ثم استطردتُ: “هل مثلا تتخيلين أننا بعد كل هذا التعليم الطويل و “الثقافة العالية” قد تحررنا؟ كلا يا عزيزتي لقد تكبلنا. صحيحٌ أنَّ المعرفة حررتنا على جوانب، لكنها كبّلتنا بما لا يقاس على جوانب أخرى، أصبحنا أكثر انتقائية، أصبحنا نضع الشروط و المزيد من الشروط للحصول على شريك، أصبحت لنا مطالب ماديّة، تعقدت مسارات العاطفة الحقيقية في أعماقنا، حين نلتقي بشخص رائع و تحاول الشرارة أن تندلع؛ فإنها تصطدم بالمعرفة الملفّقة و بالوعي المكتسب فتختنق حتى تخمد و تموت. هذه المرأة كالحة الوجه التي تسخرين منها ربما تستمتع بالحب و الجنس بشكل صادق تماما و بوعي حقيقي ربما يفوق الوعي المستعار الذي ترزح تحت وطأته بنات المدارس المتعلّمات، فتيات الطبقتين الوسطى و العليا، و قد خربت رؤوسهن تفاهات الثقافة المسلوقة و أفلام البورن، فتمارس كل منهن الجنس مع شريكها وهما يتبادلان الدردشة بالانجليزية على غرار”أوه ياه بيبي فك مي هاردر”.. أو “ذات وازا جود فك” و يغرقان في تمثيلية طويلة من تلفيقات لطافات الرومانس و فداحات البروتال سكس، بوحي من الأفلام و الروايات التي شكلت تصورهما الزائف و وعيهما المجتلب عن العاطفة و الحب و الجنس. يمكننا أن نتحدث طويلاً عن مدرسة “باندورا” في علم النفس للتعلّم بالملاحظة، أن الإنسان حيوانٌ يميل إلى التقليد. بينما هذه المرأة الفلاحة التي تحيا حياة وضيعة و متواضعة تماما، ربما تنتف إبطيها و عانتها بالحلوى، ثم تستحم بصابونة نابلسي، و تضع بضع قطرات من كولونيا خمس خمسات، و تحل ضفائرها لترتدي قميصها الأحمر، ثم تقول لزوجها بدلال، و بالعامية طبعا: “تعال انكحني يا أبا فلان” فيأتي أبو فلان رائق المزاج بتأثير الحشيش و يضاجعها بعنفوان و قوّة، هكذا ببساطة و بشكل حقيقي، هي أثناء المضاجعة لا تفكر في صورتها في رأسه، لا تفكر في أفلام البورن و لا في الصورة العليا المثالية للحياة، و بالتأكيد هي لا تفكّر في سبائك الذهب. كل سبائك الذهب في العالم لا يمكن أن تعوّض امرأة عن لحظة حقيقية واحدة من السعادة تستكين فيها بين ذراعي رجل حقيقيّ؛ يحبها و يغمرها في صدره، و بينما نرى حولنا غانيات الليالي الملطّخات بالأصباغ الباحثات عن الذهب بحذق في الرجال يغرقن في تعاسة التمثيل و التلفيق و الفهم المجتلب قسراً إلى حياتهن اللامعة، أو نساء المكاتب العصابيات ذوات الإنجازات رجالية الطابع اللاتي تتدلى السيجارة من بين شفاههن طوال الوقت يعانين اللهاث من أجل المزيد من الإنجازات، فإن هؤلاء النسوة البسيطات هن وحدهن من يعرفن السعادة الحقيقية. هل تعرفين؟ أحيانا أحلم بيوتوبيا من نوع خاص، حيث يصنعون من الذهب أعمدة مصابيح الطرقات و حدوات حوافر الجياد، بأفلام والت ديزني وقد تمثلت في الواقع، حيث تقع الجميلة في حب الوحش، و تهرب الأميرة ياسمين من قصرها الذهبي لتقع في غرام الصعلوك علاء الدين، حيث الثروة بلا حدود، و الفقر لا يمنع السعادة، حيث تدهسك السيارة فتتحول إلى سجادة ثم لا تلبث أن تنتفخ لتواصل القتال، حيث الخير خير مطلق، و الشر شرّ سيس، شر مروّض، حتى الأشرار ناس فالصو و الموت أونطة، و في التهاية ينتصر الخير على الشر ويعمّ السلام مدينة البط، و تخبز ميني الكثير من كعكات التفاح ليأكلها ميكي بحب، هكذا تقع الفتاة المتمرّدة في غرام رجل الظلّ، في حب آخر شخص متوقّع: بتروشيو. هؤلاء النسوة سعيدات، سعيدات أكثر مني و منك بطبقات، و هن يشفقن علينا في أعماقهن من معاركنا الدونكيشوتيّة التي لا تنتهي، و بينما ينمن هن بعد ليلة عنفوانيّة نوماً هادئاً عميقاً في ختام شقاء اليوم و كفاحهن المستديم، نحيا نحن حياة برومثيوسيّة الجوهر بالكامل و كلّ ليلة يأتي الرّخ ليأكل من أكبادنا قطعاً صغيرة. نعم يا عزيزتي، هؤلاء النسوة سعيدات”. حملقت فيّ بتحدّ بعينيها الخضراوين الكبيرتين و صاحت بعصبيّة: “إذن هل تقبلين التضحية بكل ما برأسك من معرفة و كل تصوّرك عن العالم والحياة المثالية و الرجل المثالي في مقابل أن تعيشي حياة سعيدة متواضعة مثل هذه المرأة؟!” رمقتها بنظرة طويلة صامتة، و شردت ببصري في الفراغ

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s