أوهام العار

فيم كانت تفكر هانا شميتز وهي تعترف بجريمة لم ترتكبها، لمجرد أنْ تتخلص من شعورها الممضّ بالعار؟ ماذا يمكن أن نقول عن شخصٍ آثر الصمت مفضلاً السجن والموت لئلا ينكشف سره المشين- المشين كما يراه؟ كان عجز هانا عن حيازة المعرفة وشعورها بالجهل هو مصدر خزيها الدائم. لو لم تكن روحها تتآكل تحت ذلك الشعور الحاد بالنقص، لو لم تنطوِ جوارحها على هذا الاحتقار الرهيب نحو الذات، لو كانت قادرة على التخلص من أشباح الوهم التافه بالعار الذي حطم حياتها لعقود، لظفرت بحياتها، وأظهرت براءتها. لقد كان شعور هانا بالعار أثقل بكثير من العار في حد ذاته، الشعورُ بالعار خربشةٌ في الكيان، عضةٌ في القلب، انطفاءٌ للشعلة، انكسارٌ للشخصية والكرامة، هلاوس تشوه الإدراك، وهمٌ يفسد الفهم، الشعور بالفقر أقسى من العوز ذاته، والشعور بالإهانة أفظع من السب ذاته. الشعور بالعار مخلبُ ضبعٍ خبيث دنيء ملطّخ ببقايا الجِيَف المنتنة ناشبٌ في الكيان، الشعور بالحقارة خدشٌ طويلٌ دامٍ ملوّث متجدد مفتوح لا يلتئمُ قط، لا تشعري بالعار يا هانا، فليس ثمة عار من الأصل، لقد انهزمتِ لا يوم أنْ سجنوك، بل منذ زمنٍ طويل، يوم أن تآكل رأسك بالوهمِ التافه، وما كنت لتنهزمين لولا أن هزمتك أوهامك الذاتية. لو كانت هانا قد تكلمت، لو كانت نطقت بالحقيقة، لو كانت قد ضربت عرض الحائط برأي الغرباء فيها، لو كانت قد فهمتْ أنّ ما برأسها من أشباح الخزي والمذلة هي حفنة من أوهام ليس لها وجودٌ في الواقع، لتغيّر مصيرها بالكامل. حمّل وشاهد هذا الفيلم البديع: القاريء. 

حاشية: ظللتُ أؤجل لبضعة أشهر مشاهدة فيلم القاريء المأخوذ عن رواية بذات الاسم للقاضي وأستاذ القانون الألماني برنارد شلينك، رغم فوزه بجوائز ونيله استحسان النقاد على أداء كيت وينسلت، الذي جعلها تظفر أخيراً بالأوسكار، وجوائز أخرى عديدة على أدائها البديع في الفيلم، حتى مرت سنوات ونسيته، اليوم عثرت عليه بالصدفة وشاهدته، ولا أذكر أني تأثرتُ منذ زمنٍ طويل بمثل هذا النوع الرفيع من الدراما

  

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s