أعراض الضحك والنسيان

عزيزتي كلارا

جمعتني (*) صداقة -أتشرفُ بكونها انتهت- بشخصية وضيعة. طبعاً مسألة الوضاعة والرفعة هذه فيها قولان، لكن الفكرة الجديدة هنا هي في رؤيته لنفسه: أنه يعرف جيداً أبعاد وضاعته ويحتقر ذاته. سألتُ نفسي باندهاشٍ عميق بعدها كيف سمحتُ لنفسي أن أتواصل إنسانياً مع مثل هذا الكيان المشوه المريض؟ لكن عذري أن المعاناة الطويلة استلبتني عقلي وتركتني بلا حصون أو دفاعات.

سأخبركِ، كلارا، عن شيء ربما لا تعرفينه عني بعد لكنكِ ستفهمينه.

لقد فقدتُ مع المعاناة قدرتي على الضحك، وأصبحت عاجزة لسنوات عن مجرد الابتسام. مررت بمحنة شديدة تخلىٰ عني على إثرها كل أصدقائي، وفي غمرة الخواء وجدتُ في طريقي هذا الفرانكنستاين. كان شخصا فضوليا يريد صداقتي، تعلقتُ به كخشبة في محيط، فسمحتُ له بأن يسيء إليّ، ويفرغ فيّ عقده النفسية، ويغسل لي دماغي، ويغير من قناعاتي، ويؤثر في وجودي، وينخر في رؤيتي لنفسي ولأهدافي في الحياة. في علاقة صداقة مريضة كهذي، كنتُ مرآته المخدوشة المتسخة، المرحاض الذي يبصق فيه كل تفاهته وشعوره العميق بالتدني والقبح والانحطاط واللا قيمة الفادحة في الحياة، الحائط المائل الذي يرتكز بيده عليه حين يضنيه المشي على ساقه الكسيحة العرجاء. كنت أحترمه وأراهُ شخصاً عظيما، فقط لأني لا أعرفه جيداً، بل لا أعرفه على الإطلاق، حتى اكتشفت حقيقته المضحكة البشعة. حين لفظته، ظل يتتبعني ويطاردني، على أمل أن يواصل النخر والإيذاء، تجاهلته، وهو يريد أن يراسلني على الايميل، ويتفحص صفحتي على تويتر، ويكلمني في التليفون، يريد أن نتقابل، وندردش، ويعتبر نفسه صديقي، ويعيد سيرتنا الأولى، وكل هذا الرخص والهراء، كائنٌ تافهٌ فضولي عديمُ الشأن، يشغل حياته الفارغة بأخبار النميمة والشائعات، ابنٌ مخلص لتلك البيئة الوضيعة التي تشعر بنصرٍ عظيم في التطفل اللزج بالحب والصداقة على الأكرمين، يكره من أصابوا الثراء والنجاح في هذا العالم بمجهودهم أو ورثوه عن أهليهم ويحقد عليهم من كل قلبه، ورغم حقده فهو انبطاحي بشكل مقزز أمام هؤلاء، على أمل أن يفتحوا له الأبواب فيتسلق جثثهم في الحياة. لماذا لم أواجهه بما أعرفه وبرأيي الحقيقي فيه؟ ربما لأنك حين تسدُ غطاء البالوعة بإحكام لن ترغب في أن تفتحها مجدداً كيلا يتسرب منها الصراصير والديدان. وبينما جعلتُ أكتشف ببطءٍ داهمٍ وقاسٍ، حجم التشوه في ذلك “الصديق” العابر القديم، ضحكتُ لأول مرة منذ زمن، مرتين، مرة وأنا أحملقُ في مؤخرته القبيحة العارية، وأخرى وأنا أشاهد ألاعيب صداقته المزعومة. ضحكت، وأنا أدرك سبب احتياجه العميق لتشويهي وانتقادي وإفساد منطقي وإدراكي، وإثقالي باحدِدابٍ وهميّ فوق ظهري، لئلا يشعر أنه الأحدب الوحيد.

إن ما أعرفهُ عن نفسي اليوم، كلارا، وأنا في ذلك الجبل المعزول البعيد أُمعنُ النظر وأحملق في داخلي، وأضع يدي على موضع الداء، هو أني لستُ إنسانةً كريمة النفس، وأني كنت دوماً ميّالة إلى مُخالطة الأسافل والأرذال والعواجيز الفاشلين والمشوهين والمنحطين والمدمنين والمُعذبين والنساء الساقطات وكل من دهستهم الحياة، ولهذا السبب بالتحديد ابتليت بالمحنة، ثم ابتليت بهذا المسخ، إنه ذلك القلب اليسوعي المتسامح الذي كان يدفعني إلى الانحدار والتدني والتطلع للاكتشاف، والانغماس في أكثر من سلوك غير سويّ وعلاقات حب وصداقة غرائبيّة شوهاء، بفعل نشأةٍ مُعقمة عشتها في كنف العالم النظيف، تركتْ في عقلي تساؤلاتٍ كبيرة نحو الجانب المظلم من القمر، وفضولاً تكفل بقتل القط، أنا -بعكس غالبية الفتيات المتمردات- لم أنشأ نشأة متزمتة أو متدينة أو محافظة، فقد كان في بيتنا مساحة من الليبرالية لأبوين مثقفين، لكن ثمة خلل عميق تصنعه النشأة المعقمة، أضعفت مناعتي، حياة بين أبوين لا مباليين ومشغولين تماماً تركا ابنتهما لتربية الدادات والشغالات الفلپينيات، خبِرتُ ملل المعتاد والمألوف، فكانت الثورة، ثم السقوط. لقد نعُمتُ اليوم بالنسيان، وأعتقد، أنّ من أهم أولويات حياتي الجديدة أن أستعيد قدرتي كاملةً على الضحك، وأتخلص من ذلك الاستغراب العميق الذي لازمني طويلاً وأنا أنظر إلى جماعة ما هنا أو هناك، تضحك، وتملأ أفواهها ورئاها بالهواء وتقهقه، بخفة وسعادة.

قراءات قريبة: السقوط

عنوان النص مقتبس بتصرف من ميلان كونديرا كتاب الضحك والنسيان (*)
إلا أن النص لا علاقة له بنص كونديرا

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s