النحات الحزين 

عندما رأيتُ تمثال نفرتيتي القبيح فكرت: “هذا رجلٌ حزين”. التمثال كان آية في سُقمِ الذوق وقُبحِ المنظر وسوء الرسم والتفصيل والتكوين. هكذا استيقظ المصريون يوما على صورة تمثال شديد الرداءة مشوه النسب يحاكي نفرتيتي في مدخل إحدى القرى. القصة لا تقف عند هذا الحد، لكن غيظ مستخدمو مواقع السوشال ميديا من المسؤولين في محليات محافظة المنيا كان هادراً حتى وصلت القصة إلى العالمية وكتبت عنها الصحف الدولية. الثورة ضد تمثال نفرتيتي الرديء كانت انتفاضة المصريين ضد القبح هبوا فيها متهمين المحليات بالفساد وسوء الإدارة، فأصدرت محافظة المنيا بيانا سارعت فيه بنفي التهمة موضحة أنهم لا يعرفون شيئا عن هذا التمثال وأنهم لا يعرفون بالتحديد من أين أتى ومن وضعه، ثم أزيل التمثال بعد بضعة أيام بالفعل. فكرت أيضا في فن الثورة المدعو بالجرافيتي، والذي كان في مجمله يعبر عن الحرية، حرية الرسامين في نشر فنهم على الملأ بعيدا عن جاليرهات الزمالك التابعة لوزارة السخافة، بجوها الهادئ النظيف وقاعاتها المعطرة وجدرانها المصقولة وزوارها من النقاد الأكاديميين والأثرياء المحدثين. مجتمع الفن التشكيلي المغلق على أشباه الصفوة، بفنانيه ورواده. عندما قامت الثورة، انتهز الكثيرون الفرصة ممن لم يدرسوا الفن التشكيلي، ومنهم جماعات الخطاطين المحليين والحرفيين البسطاء وخريجو الثانوي الصنائع حملة دبلوم الزخرفة، وملأوا حوائط القاهرة برسوماتهم الرديئة: بالجرافيتي. كان القليل جدا منها جيداً، لكن المجمل كان مزعجا وقبيحا ورديئا، يحمل من التشوه أكثر مما يحمل من الجمال، إلا أن وراء كل حائط تم تلويثه بالجرافيتي كان ثمة فنان، أو على الأقل جذوة فنان، يتوق إلى التعبير عن ذاته بأي طريقة، وتهفو روحه إلى أن يتطلع إلى فنه الجمهور. تمثال سمالوط كان ابن تلك الحالة وهذا الشعور، صنعه فنان مغمور قليل الموهبة على نفقته الخاصة، وأقام له مصطبة رديئة شيدت على عجل، ووضعه في مدخل قرية بسيطة الحال، كان من الممكن أن يمر ما فعله مرور الكرام لولا أن حماقته وقلة صبره دفعاه إلى تقليد تمثال نفرتيتي الجميل فسحقته المقارنة. ألم يكن من الأفضل على قلة موهبته لو ابتكر تمثاله الأصلي؟ منذ القرن العشرين تحطمت مقاييس الجمال الكلاسيكية، وظهرت الدادائية، وقحة وفجة وغير “محترمة”، تعبيراً عن صدمة الفنانين في معنى الإنسانية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وصدمة العصرنة عموما. لقد تغير العالم حتى لم يعد مهما حقا أن يخرج الفنانون بأعمال متقنة تحاكي عصور الرينيسانس في فلورنسا، وتبلورت الدادائية في أقصى حالاتها في مبولة مارسيل دو شامب. حتى ڤنسنت ڤان غوغ لم يكن رساما بارعا قط، لم يكن ناعما مثل فنان نبلاء پاريس ويليام بوغارو ولا نجم بلاط آلِ ميديتشي مثل داڤنشي وميكلانجلو، وإنما كان صاحب فرشاة خشنة ونسب معوجّة، كان رساما رديئا، إلا أنه وضع في لوحاته ما هو أثقل من الإتقان، كان يضع العذاب الغليظ الذي يهصر روحه، تلك الشعلة الآسرة من المرض النفسي حدّ الجنون، كان يعاني التجاهل حتى إنه لم يبع لوحة واحدة في حياته، وأشفق عليه شقيقه ثيو فأرسل من يشتري منه بعض لوحاته سرا، ففرح، ثم انهار باكيا عندما اكتشف الحقيقة، كان يغار من صديقه پول غوغان الذي كان على عكسه فنانا مرموقا يبيع لوحاته ويحترمه الجمهور ويثني عليه النقاد الكبار، ولما لم يعد يحتمل عذابه انتحر. بابلو بيكاسو بدأ حياته الفنية رساما معتدلا بل بارعا، في مرحلتيه الزرقاء والوردية، حيث العين في مكانها والأنف في مكانه والأجساد مصقولة وساكنة ومتقنة، ثم انفجر كل شيء، صارت العين مكان الأنف واستبدل الفم بالأذن وتمزقت الأجساد وتكعبت زواياها مُهديا البشرية أهم مدارس الفن التشكيلي المعروفة بالتكعيبية. لقد كان سالييري أهم موسيقار في البلاط النمساوي يغار حتى الموت من موتسارت، لأنه عرف أنه يقف أمام موهبة عظيمة ستعيش للأبد، أما فنه الرديء هو فسوف يطويه النسيان، وقد كان. إني على ثقة ويقين أن نحات نفرتيتي هذا رجلٌ حزين، حرمته الظروف من دراسة النحت، فعاش يعذبه عجزهُ عن التعبير الجميل، وقلة دائرة المتفرجين، إنه لا يملك الموهبة، ولا القدرة على ابتكار أعمال أصلية، لكنه يتطلع بحسد إلى الموهوبين، يتطلع إلى المنحوتات الجميلة القديمة بشغف وقد أعماه الألم عن الاصطبار، فتحرك مدفوعا برغبة عارمة في التحليق، بلا حساب ولا دراسة ولا علم، فكان هذا التمثال الصرخة، كقفزة عباس بن فرناس بجناحين من ريش، انتهت بسقوطه وانكسار عنقه على صخرٍ مُدبب الأطراف.

    

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s