صانع الأحذية

IMG_6399-0

من أنتْ؟

أنتَ لا شيء. أنت فقاعة هواء سبَحَت في الفراغ قليلاً ثم انفجرَت. أنت بوقٌ و مزمارٌ و رقّ وطبلة. أنت ابتسامة عريضة تحوّلت إلى محض أسنان بارزة في إعلان غسول فم على قارعة الطريق. أنت حلمٌ جميل تحوّل إلى كابوس مقيم استيقظت منه أشهق لاهثة الأنفاس و العرق يتفصّد من جبيني. أنت صانع أحذية، و ابن صانع أحذية. لن ينتشلك أي شيء من وضاعتك. من أصلك الحقير. من لهاثك المستديم للحاق بالأريستقراطية و ادّعاء الطبقيّة، لن تتخلّص من جحيم الحقيقة، من هوسك بالادّعاء، من ضغط الرغبة في التخلّص من أصول غابرة وضيعة، من افتعال الثقافة و الأناقة و الترفع. لست وحدي من تعلم كم أنت وضيع، كم أنت دنيء الأصل، الجميع يعرفون، الجميع يعلمون، حتى أصدقاؤك يسخرون منك طوال الوقت و أنت تجاهد بشدّة للخلاص من عار امتهان صناعة الأحذية.

من أنت؟ أنت لا شيء. مثل دلو طلاء رميته فارغاً بعد أن استهلكته في لوحاتي. مثل سيجارة محليّة دخنتها ثم حين حرقت شفتي بصقتها و دهستها بحذائي. مثل صندل قديم بدأ يؤلم أصابع قدمي فألقيته جانباً دون أن أبالي بمن سترتديه من بعدي. مثل فوطة صحيّة رميتها بعد أن تلوّثت بدمائي و أدّت مهمتها في امتصاص سوائلي و إفرازاتي. أنت دمية ممسوخة مضحكة. الجميع يعلمون كم أنت زائف تحبك الأكاذيب عن أصولك الأريستقراطية؛ كم أنت مهرّج بلاط يثير جنونه لقب الجزمجي. تكره حدّ الموت من يذكّرك بأنك صانع أحذية. الجميع يسخرون من إفراطك في مناداة الغير بـ “يا باشا” و “يا بك” بتزلّف؛ دون تمييز حقيقي لمن يستحق أن يكون باشا أو بيكاً، كأنك تستجدي منهم مناداتك بالمثل، ربما لأن الألقاب للأسف صارت توزّع مع بطاقات التموين. افهم أن الباشوات الحقيقيون يستنكفون بشدّة أن يقولوا لكل من هب و دب “يا باشا” مثلك، أو ينادون الخادمات بيا هانم كما تفعل، افهم أن التدني الطبقى ليس عيباً، و أن الترقي الطبقي ليس مُصادراً، هو فقط يا حبّة البطاطا المذعورة من شبهة الدنوّ الطبقي، يحتاج إلى مقوّمات و كفايات، إلى اتقان العمل على تنمية الذات، لا إلى النفخ في البلالين و فقاقيع الصابون كي تحاول تذكير ذاتك قبل الآخرين أنك لست وضيعاً إلى هذا الحدّ؛ أن جدّك لم يكن إسكافيّاً، احتقارك لكلّ ما هو محلّي نابع من احتقارك لذاتك و لأصلك، تتوق للخلاص من الانطوائية و الشعور بالتدني و الوضاعة بين أقرانك من النبلاء؛ تشرئبّ بعنقك نحو كل ماهو غرائبيّ و مثير بصرف النظر عن جودته أو أصالته، وهو بالضبط: غرائبية المعارف النادرة و الاستثنائية، الانبهار بالأسماء الجديدة غير الشائعة لمفكرين و فنانين راديكاليي النبرة، بالأفكار التي توحي بالانعتاق النفسي الكبير و اللحظي من تراث ديني و أخلاقي و مجتمعي طويل، بلا عمق في الوعي أو انتقال من جزيرة صلبة لأخرى، بل كالوثب إلى الهوّة بانتشاء، يمكن دائما زغللة عيون المراهقين و السذج بحيل إبستمولوجية كهذي، خاصة إذا كانت تتعزز بدوافع عميقة في الانتقام الجمعي من الآخرين، أو توقٌ إلى التحرر التام من قيود شتى بعضها غثّ و لكن بعضها ضاغط و ساحق: الالتزام العقلي و الاتزان العلمي و المشقة في البحث و القراءة و تسجيل الملاحظات و السعي وراء العلم الحقيقي بعيدا عن قشوره البرّاقة و مصادره الخفيفة. إنها الموضة أيها الفنان، الصّرعات المتتالية الوقع على العقول المنفعلة.

هل تعرف لماذا أحتقرك فعلا؟ لأنك إلى الآن تكذب، الكلامُ يخرج من العتباتِ على غيرِ شاكلته في ذاتك منمقاً و حذراً و مصقولاً و منادياً : “أحبوني أعجبوا بي، قدّروني قدّروني”، بينما تكذب معلناً أنك لا تبالي بآراء الآخرين، إلى الحد الذي تغفل فيه ذكاءَ محدثيك على نحو عجيب و قدرتهم على قراءة هشاشتك و ضعفك و مخاوفك. أمعنت في التمثيل داعياً “آليس” إلى القفز داخل جحر الأرنب.. “باني باني”.. و عند أول مواجهة هربت كأيّ أرنب جبان. الأرانب يتجنبون المواجهة. الأرانب سطحيون سريعو البكاء لا يجيدون إلا فنّ الهروب. أما أنا فبكل فخرٍ؛ ديك؛ و الديكة تصيح. الديكة صرحاء يحبون المواجهة و الصراع، الديكة أقوياء فصحاء صادقون مفعمون بالثقة و الشجاعة. أعجبني فراؤك الناعم الرخيص، لكن حتى هومير يُحنى رأسه يا صانع الأحذية. لن أسامح نفسي ما حييت على هذه السقطة؛ و سأظل أتساءل أين كان عقلي يوم أن هوَيت فهَوَيت؛ يوم أن سقطت؛ يوم أن غرقت في أوحالك اللزجة؛ في رائحة الجلود المدبوغة التي تفوح من شعرك و جسدك الهزيل طوال الوقت، كأنك تمضي لياليك في أكياس من المطّاط. الناس يظنون أنني أحببتك لأنك فحل، دون أن يفهم أيّهم أنني لم أرَ فيك إلا الفكر. لكنك تاجرت بحبي أحطّ تجارة، جريت في شوارع المدينة تعوي بأسرار الفراش. ما أحقرك! أيّ رجل هذا الذي يخرج إلى العلن بأسرار الفراش مع المرأة التي أحبته، بل و يضيف إليها أساطير من خياله لتمجيد رجولته و فحولته؟!، رحت تخرؤ من فمك لتلطّخني بالفضلات، لتعرّيني أمام الجميع. هذه ليست تصرفات الأريستقراط، بل تصرفات الرعاع الحثالات، انحطاطك يكشف عن معاناة طويلة مع الإيموشنال أبيوز، دفعتك إلى الانتقال من مرحلة الأبيوزد إلى مرحلة الأبيوزر. و الآن أقف أنا لأعرّيك أنت أيضا أمام الجميع، لأخبرهم كم أنت هشّ و خاوي الوفاض؛ ثم يا ليتك كنت فحلاً؛ لقد كنت طفلاً؛ كنت فأراً؛ هكذا تكشّفت لي الحقائق عارية و فاضحة و مضحكة، مضحكة إلى حدّ البكاء، احتقاري لك أصليّ: عودٌ أخضر طريّ مغروس في الطين يتطلع إلى نخلة، طفلٌ رضيع يحبو بنهم على جسد أنثى مكتملة، فأرٌ بلغ منذ دقائق يضاجع شجرة. لم يكن ما حملته لك حباً، إنه ذلك الاستلاب الرهيب للمشاعر في القلب و الأفكار في العقل و الأعصاب في الجسد. لم يكن حباً يا صانع الأحذية، كان خداعاً و اختراقاً و انتهاكاً للكيان و الذات، و الأسوأ أنه حدث دون أن أشعر، تسرّب حبك عبر أفكارك الرائعة الزائفة كالمخدّر السّام ليسري في عروقي. لم يكن حباً يا صانع الأحذية، كان غيبوبة ذهنية عميقة ساحقة للوعي، أفقتُ منها نادمة على التفريط في ذاتي إلى هذا الحدّ. لم يكن حباً يا صانع الأحذية، كان انتحاراً بطيئاً بالسّم الذي ابتلعته مبتسمة من فرط السّعادة، منتشية كمن يجرّب الهروين النقيّ الباعث على لذة التحرّر و الطيران.

لكني امرأة قوية، في لحظة تجلّ مذهلة عقدتُ العزم على التخلص منك بأكثر الطرق عمليّة، توجهت إلى دكانك الذي يبيع الأحذية المحلّية الرّخيصة، شممت رائحتك في الأركان و الأجواء؛ رائحة الجلود المدبوغة؛ رائحة الفنيك النفاذة الممزوجة بالنفتالين؛ رائحة الدمّ المتجلّط الذي نزفته غزيراً بين يديك؛ رائحة كالمشرحة؛ رائحة جثتي؛ وجعلت أقلب في الأرفف باحثة عن أقبح حذاء؛ عن أبشع حذاء؛ عن أرخص حذاء؛ حتى وجدتُ ضالتي. نقدت البائع الثمن جنيهات قليلة؛ نقدته الثمن قروشا فضيّة؛ ثم خرجتُ من الدّكان أرتديك في قدمي، و اسمك مطبوعٌ على حذائي، لأسير به أميالاً طويلة؛ أتجوّل به في شوارع متسخة كثيرة؛ أقطعُ به كل الأزقة و الحواري الحقيرة؛ أدهس روث الدواب به في سعادة؛ أغطّسه في برك المجاري الطافحة بانتشاء؛ أتسلّق به أكوام الزبالة في عزم؛ لكن تظل اللحظات الأروع على الإطلاق حين يتساءل الأصدقاء باستنكار من أين ابتعتِ هذا الحذاء البشع المريع؛ فألفظ اسمك في تشفّ عميق. ثم أعود إلى بيتي الجميل النظيف، أعود إلى بيت الديك، لأجلس باسترخاء بين ديكوراته البرتقاليّة، أتأمل بتلذذ و تقزز معاً بقايا الروث و القاذورات و الأوحال تغطي حذائي البشع الرخيص، أشعر بالارتياح، وأقرر أن أدخر أكثر كعوبي أناقة لأدقّه في عنقك. لم أنظّف أبداً هذا الحذاء، لم أعتنِ به على الإطلاق، إنه حذاء المشاوير السّخيفة؛ حذاء المَهمّات الحقيرة؛ حذاء الأماكن الوضيعة، ابتعته كي يذكرني بك؛ بملامحك القبيحة؛ بأسنانك النخرة؛ بصوتك الأجش الغليظ؛ بجسدك الهزيل؛ بأفكارك المجتلبة و المجلوبة إلى عالمك بفعل القراءات غير الراسخة و العبث السريع في تاريخ الفنون و الفلسفة، أنت زائف مرتين: مرة لأنك تختلق و تكذب على نحوٍ واع، و أخرى لأن زيفك يكمن في اعتقادك الخاوي بأصالة بعض الأفكار التي ترددها، لأنك لا تمثّل أفكارك و لا على أقلّ المعايير.

أفق أيها الفنان، أيها المفكر، يا حفيد الإسكافيّ العجوز، و اعرف أوّلاً من أنت و ما قدرك و ما حجم إمكانياتك، ابحث جيداً قبل أن تجري في الشوارع تمارس الصراخ بمقولات مدوّية في الطرقات، هل تعرف ما الذي سيكون مُحبِطاً و مُخيفاً في البحث المتأني؟، أنه أبدا لن يضمن لك صياغة عبارات سطحية مثيرة و شبقيّة قصيرة، لن ينتهي باستخلاصات قاطعة، أو ثرثرة مسهبة، بل في الدخول إلى دغل مرعب، ببلطة و شعلة، لا يخطو داخله إلا المستعدّين فعلا لاتساع أحداقهم على آخرها في العتمة الهامسة، المتعة الحقيقية التي أشار لها سقراط من طرفٍ خفي في إشارته للمقدّس، حين قال إنّ الإله كليّ التسامي مستغرق في الأبدية إلى الأبد في العمل الأرقي و المتعة الأزلية : في التأمّل في ذاته، حيث ذاته التي كان يعنيها سقراط : الحقيقة، مبرهنا لتلاميذه أن هذه المتعة لن تتأتى للراغبين في الفهم السريع للصياح بمقولات مبتسرة في الطرقات، بل في التلذذ بالإدراك، التلذذ المؤلم البطئ تحت وطأة الانفتاح على منجزات العقول الفائقة سعيا وراء المعاني و الأفكار، نشوة النشوات.

افهم يا حبّة البطاطا أنت، يا حفيد الإسكافيّ العجوز، أيها الرافع يدك في عظمة و ترفّع إلى جماهيرك المصفقة المنبهرة على الدوام، جماهيرك الجاهلة تسحبك من عنقك، تسوقك من دركٍ إلى دركٍ ثم إلى المقصلة، وجدت نفسك فجأة محاطا بتقريظات لا نهائية من أطفال و عجائز، أذهلتك و أدرات رأسك و حوّلت بصرك من خارجك حيث ينبغي أن يعمل الفكر الصحيح، إلى داخلك، لتنتفخ أوداجك بالغرور، و عندما يكون الإنسان ضعيفاً جداً و تافهاً و أجوف فإنه يخلق لنفسه فقاعة كبيرة من الغرور ليختبئ فيها و يحتمي بها من انعدام ثقته بنفسه. أنت لاتزال تترنح ذاهلاً ملتاثاً تحت تأثير مخدر التقريظ، الذي نلته لا لأنك بارع، و لكن لأنك تقدم نفسك في مكانة أعلى قليلاً من مرتبة الشخص العادي بين أقرانك، إلا أنك تدرك جيداً في أعماقك أن بينك و مرتبة المبدع الحقيقي فجوة هائلة، لا تقوى على تجاوزها سيقانك الكسيحة، دعك من كل هذا، و اشتغل على عقلك في صمت، فنونك فيها مواضع صادقة، و مواضع اصطناعية اللهجة و الفكرة فيما يشبه التواري خلف طبقة من الأسمنت، تداري هشاشتك المذهلة و جهلك البحت. و بعد كل هذا لن أتساءل من أنت، فأنت لست إلا وهمٌ عابر، أنا منه استفقت.


اللوحة لڤنسنت ڤان غوغ بعنوان زوج من الأحذية –  ١٨٨٨ م

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s