محاكمة الخراء

في العام ١٩٦١ قام الفنان الإيطالي بييرو مانزوني بتقديم عمل فني بعنوان “خرا الفنان”، هذا العمل الفني عبارة عن تسعين علبة معدنية كل منها تحتوي على ثلاثين جراما من خرائه الشخصي، مع لاصقة مكتوب عليها بالإيطالية والإنجليزية والفرنسية واﻷلمانية التالي:

“خرا فنان

يحتوي على ٣٠ جرام صافي

خال من المواد الحافظة

انتاج وتعليب مايو ١٩٦١”

في تلك اﻷوقات كان والده الذي يملك مصنعا لإنتاج علب الصفيح، يقول له باستمرار “فنك خرا”، ويبدو أن الفنان عمل بنصيحة أبيه بالفعل فأخرج للعالم هذا العمل الفني. وفي ديسمبر من نفس العام كتب مانزوني إلى صديقه بن فوتيه محتجا “أينبغى أن أعجب بهؤلاء الفنانين الذين يبيعون بصمات أصابعهم، تلك المنافسة المحمومة لرؤية من صاحب أطول طابور من المعجبين، أو من يبيعون زبالتهم في صفائح. إن بصمة الإصبع هي العلامة المميزة المقبولة للشخصية، فإذا أراد محبو الفنون اقتناء شيء حميم وشخصي حقاً للفنان، هاكم خراء الفنان شخصياً، الذي ينتمي إليه بالفعل”.

في سياق محاكمة أحمد ناجي تذكرت هذه القصة. استأتُ كثيرا من محاكمة العيل ده بهذه الطريقة، فأنا أيضا أريد محاكمته، ليس ﻷنه إباحي أو منحرف (رغم كونه كذلك) ولكن ﻷنه رديء. إنه كاتب رديء، لا أكثر ولا أقل، وعقوبته الوحيدة هي الإعدام المعنوي رمياً بالزبالة، أو غرقاً في طرنش من طرنشات الجيش التابعة ﻷي وحدة تجنيد، ليموت ميتة سعيدة هانئة وسط كل السوائل التي لطالما احتفى بها في كتاباته، إنه لا يملك أية أفكار ولا أي رؤية للحياة والأحداث خارج الدائرة التي يحياها ويكتب عنها، دائرة الجنس مع النساء الأربعينيات وسوائل الجسد والخمور والسهرات البائسة في علب الليل المتواضعة في أحياء القاهرة التعسة. وهو دائما يكتب بهذه الطريقة، عن أي شيء وكل شيء وكل شخص، مولع باستبيان التشوه في الأشياء والأماكن والأشخاص، وتعرية الجانب الحيواني والفسيولوجي في الإنسان باعتباره جوهر الوجود الإنساني، ﻷن عقليته البهيمية عاجزة عن استشراف أي شيء آخر في البشر والحياة، حتى عندما حاول الكتابة في السياسة، في هوجة الثورة التي يحتقرها ويراها مجرد فعل قطعاني لا يعني له أي شيء، كتب مستغلا الفرصة التي أتيحت له عن الرئيس الأسبق مرسي مقالا هشاً ومريضاً بعنوان “كم يبلغ طول قضيب السيد رئيس الجمهورية؟” مقال في المصري اليوم يتساءل فيه -بعد مقدمة مختزلة عن الزحام وحوادث الطرق ومشاكل المرور المتراكمة منذ عقود- عن طول قضيب رئيس الجمهورية، وهل يستخدم الفياجرا أم يعاني من القذف السريع، هكذا يناقش أحمد ناجي المسائل المجتمعية والسياسية، ﻷن ضمور عقله يمنعه من تقصي أية وقائع تاريخية أو علمية عن أي موضوع، وهو أيضاً جاهل جاهل وغوغائي وشعبوي حتى فيما يتعلق بالجنس الذي يتحدث عنه ليل نهار، ومنها قضية طول القضيب الذي يعتبر في الوعي الجمعي الغوغائي علامة القوة والسيطرة، فأي طالب في السنة اﻷولى بكلية الطب سيخبرك أن طول القضيب لا يرتبط بالفحولة ﻷن بقعة جي المسؤولة عن النشوة في مهبل المرأة تقع على بعد سنتيمترين من البظر، ويكفي قضيب طوله ثماني سنتيمترات للقيام بالعملية الجنسية بكفاءة، وبالتالي فهو يُعزي فشل الساسة في حل مشاكل مجتمعاتهم لقصور في وظائفهم الفسيولوجية، هذا نموذج عجول لسقطة واحدة من السقطات العلمية والمنطقية التي يقع فيها طوال الوقت لضمور عقله واضمحلال قدرته على الإبداع والتفكير.

أحمد ناجي باختصار كاتب رديء ومن المؤسف فعلياً أن يتحول أبو شخة هذا إلى رمز من رموز حرية الإبداع، بعد أن نشر فصلا من الطرنش الذي يكتب فيه طول الوقت في أخبار اﻷدب فخرجت الرائحة تزكم اﻷنوف وتصيب الجميع بالغثيان، إنه لا يختلف كثيراً عن الواد سحس الميكانيكي، الذي يقف بانتظار خروج البنات من المدرسة كي يفتح سوستة البنطلون ويبدأ في الاستمناء علناً فتصرخ البنات هلعاً من قذارة المنظر باكيات فيضحك بسادية ضحكته الشريرة نياهاهاهاه، ثم حين يقتاده العسكري إلى السجن تحتج شلل القوادين والموامس التي تحيط به وتبدأ اللطميات والصعبانيات على حرية التعبير، ولقد حاولت مخلصة أن أجد فقرة واحدة في أي مقال أو كتاب له تستحق القراءة أو ذات معنى فلم أجد، لم أجد ولا حتى بورنوغرافيا جيدة على تشجيعي للكتابات الجنسانية، لم أجد غير مبايضي التي أوشكت على الانفجار، ولهذا أنصح كل من يقرأ لناجي أن يشطف يديه بعد القراءة، أو أن يشطف كتبه ولو أنها بعد الشطف لن يتبقى منها شيء، ومن المؤسف أن يخرج أمثال هذا الجاهل من أزقة بلوجسبوت وفيسبوك إلى المطبوعات الأدبية المحترمة ليكتبوا كلاماً رديئاً يتقاضون عنه أجرا من أموالنا نحن دافعي الضرائب، سؤالي حقاً ومن الناحية المنطقية البحتة ألا يشعر هؤلاء الذين يدافعون عنه أنهم يبتاعون الخراء؟ كيف يجرؤ هؤلاء السفلة المعرضين على تحويل مرتزق يكتب في صحيفة مملوكة للدولة إلى مناضل؟ في رأيي الشخصي ومن الناحية القانونية البحتة أن من يستحق المحاكمة والغرامة هو رئيس التحرير ﻷنه قبل أن ينشر كتابات جنسية في صحيفة غير محدد فئتها العمرية، أما الكاتب الرديء والفاشل أبو شخة هذا الذي لم يعبأ به أحد قبل المحاكمة فعقابه الحقيقي هو التجاهل، وهو بلا شك يكاد يجن فرحاً، ﻷن هؤلاء الحمقى حققوا له من الشهرة ما لم يكن يحلم به، ولو حتى في سياق الاحتجاج مثلي، دشنوا له حملة دعاية بالملايين وأثاروا حوله ضجة جعلت الكل يتهافت على نصوصه الفاشلة والفارغة من المعنى، إني أتمنى حقا أن يخرج من القضية بلا سجن ولا غرامة، ﻷنه لو سُجن فسينتفخ بالعظمة وجنون الاضطهاد خاصة أن السجن عند هؤلاء المدعين لا يرتبط نفسيا أبدا بالحرمان من الحرية أو الظلم أو العجز عن مواصلة الحياة أو أي معنى من معاني الحزن والخوف لدى الناس الطبيعيين أصحاب النفوس السليمة، وإنما يرتبط بالعكس، بالسعادة والنجاح والتحقق المهني والاجتماعي والمادي، حيث تعيش هذه الطفيليات بانتشاء على الضجة الإعلامية التي تصاحب سجنهم ويظهرون في صور المحكمة مختالين ضاحكين مبتهجين ﻷنهم فعلياً سعداء، سعادة منى سيف، إني أتمنى له البراءة من كل قلبي وأن تنتهي هذه القضية البلهاء إلى لا شيء وإلا فسيتحول أبو شخة هذا إلى مصطفى أمين آخر يخرج من أبي زعبل ليكتب لنا سنة ثانية سجن.

رغم كل الضجة، خرج الفنان آغسطينو بونالومي قائلا إن معلبات بييرو مانزوني لا تحتوي أي فضلات آدمية وإنما بعض الأسمنت. العلب من صفائح الحديد، مصفحة ومصمتة بالكامل وبالتالي لا يمكن فحصها بأشعة إكس لتحديد حقيقة محتوياتها فخبراء الفن لا يستطيعون فتحها، وإلا سيؤدي ذلك إلى تخريب العمل الفني، بحسب تعبيرهم، وعندما حدث وقام برنارد بازيلي في العام ١٩٨٩ بفتح علبة وعرضها تحت عنوان “علبة بييرو مانزوني المفتوحة” استقبل المعرض تغطية إعلامية كبيرة، وفوجيء الجميع أن العلبة تحتوي علبة أصغر لم يفتحها أحد، وتظل حقيقة العمل الفني غامضة على الجميع، والهدف الوحيد منه هو “السخرية من مجتمع الفن، والفنانين والنقاد”. وتم تفسير خرا الفنان بعدة أشكال، فربطه البعض بفكرة كارل ماركس عن فيتشية المواد الخام، ومبولة مارسيل دو شامب عن الفن الحديث.

في العام ٢٠٠٧ بيعت علبة من خرا الفنان بمبلغ ١٢٤ ألف يورو في قاعة سوثيبي للمزادات، وفي العام ٢٠١٥ بيعت علبة أخرى في قاعة كريستي للمزادات بمبلغ ١٨٢ ألف جنيه استرليني، بعد أن كان سعرها الأصلي ٣٧ دولارا وقت الانتاج، ولهذا تصبح نصيحتي الوحيدة للمشتغلين في الصحافة والإعلام مقرونة برجائي للقضاة -إن جاز لي هذا، هي “ما تعملوش للخرا سعر”.

تحديث: أصدرت المحكمة حكم البراءة في تلك القضية الهزلية، تاركة أعمال الكاتب تحت مقصلة الرأي العام.

تحديث 20 شباط/فبراير 2016: استأنفت النيابة الحكم فأصدرت محكمة الاستئناف حكمها بالسجن عامين للكاتب وغرامة 10 آلاف جنيه لرئيس التحرير لنشرهما فصلا مخلا بالآداب في جريدة أخبار اﻷدب. والفصل الركيك ليس خياليا، وإنما هو جزء من مذكرات حقيقية، مود هو الاسم الذي يعرفه به أصدقاء محمود سالم/ساند مانكي.

image

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s