تمنياتي بالخلاص

ابنتي العزيزة

..كيف حالك اليوم؟ لعلّك بخير

قرأت بكل لوعة خبر مصرع فتاك بعد تشويهك لقضيبه بالحمض المركّز متأثراً بإصابته وقد ملأ صراخه شوارع المعادي ، انقبض صدري وخفق قلبي و دارت عيناي و غامتا. تساءلت بحزن لم فعلت ذلك؟ أيّ حقد أسود ملأ صدرك الصغير على الحبيب الذي كان؟ أتذكّر غضبك الفارغ وثورتك العارمة. أعود إلى أحزانك وصوتك الغاضب المرتعش بالدموع. تقولين: “أنه لم يعد مهتماً بعد أن افتضّ بكارتي، خانني لكي يبحث عن جسد جديد”! يا ابنتي! أيّ منطق مختل تبررين به كل هذا الحقد، كلّ هذه الكراهية و الرغبة العارمة في الانتقام بحرمان الفتى من رجولته و تشويه قضيبه و تدمير حياته؟ تستطيعين أن تحزني أنه لم يعد يحبّك، هذا حق مشروع، ولكن احزني كما يحزن النبلاء ذلك الحزن النبيل، الذي لا يهين، و لا يجرح، و لا يشوّه، و بالتأكيد لا يقتل، لو كنت أحببته حقاً لتركته بحريته و لينعم بحياته، لكنك كنت أنانية تماماً، و لم تحبّي أحداً غير نفسك! صه! عشت طوال عمرك تخافين من جسدك، تحتقرين نفسك الآن كل هذا الاحتقار لأنك صرت بلا بكارة، نعم أنت تحتقرين ذاتك، و جريمتك أكبر دليل على السخرية من وجودك، قلت لي: “لقد شعرت بالخسارة حين منحته جسدي” ، لم أفهم قط ما هو مفهومك للخسارة، لو كنت قد أحببته حقاً لفهمت أنك ما خسرت شيئاً، و أنك كسبت أشياء كثيرة ثمينة، و أنّ الرّجل والمرأة في العالم الحقيقي حين يتبادلان جسديهما، فإن المكافأة الوحيدة التي ينتظرها كل منهما من الآخر هي تحقق الحب و الرغبة، و ليس الضمان العائلي، تقولين:”لقد رفض أن يتزوّجني”! فما معنى حزنك أنه رفض أن يتزوّجك؟! إن كل تفاهة المرأة الشرقيّة تتلخص في أنها تعتبر جسدها مجرّد صفقة اجتماعيّة، بضاعة تضمن بها مستقبلها، أنها تقايض بكارتها بحسابات المكسب والخسارة، بعقلية التاجر الفاشل المحدود الأحادي البضاعة، فإذا بارت بضاعتها وكسدت؛ احتقرت ذاتها و عانت ذلك الشعور الممض بالألم و الخيانة و الندم و الخسارة.

..يا ابنتي

أنا أعلم أنت كلّما التقيت بحبيبك منحته جسدك وفي رأسك خيالات الزفاف و صورة خاتم العرس، و على لسانك السؤال الخالد متى سنتزوّج، إن المرأة الشرقيّة ليس في حياتها أي شيء سوى أن تقبع في انتظار أن تمنح جسدها لرجل بوثيقة حكومية، فإن لم يكن بينها و بين رجلها هذه الوثيقة عانت عذابات مروّعة، و احتقرت نفسها و نقلت شعور الاحتقار للرجل، تقولين: “لقد شعرت أني عاهرة حين سلّمته جسدي”! أنظري كيف تتحدثين عن نفسك! راجعي كلامك هكذا يا بنيتي! دققي في كلامك! العاهرة وحدها هي التي تطالب بالثمن، و أنت طالبته بثمن الحب فأصبحت عاهرة. ما معنى أنك “سلّمته” جسدك؟ أنظري إلى لفظ “التسليم” نفسه، أليس تسليم الشيء دليلاً على عدم امتلاكه؟ ألست تشعرين أن جسدك قد وجد ليسلم من رجل إلى رجل دون أن يكون لك حق التحكم فيه؟ افهمي إن الرّجل لا يحتقر المرأة لأنه ضاجعها، إنه يحتقرها لأنها تطالبه بثمن جسدها، تطالبه بأن يدفع قيمة بكارتها، إنه يزدريها عندما تنقل إليه شعورها بأنها بلا كيان، بلا شخصيّة، بلا عقلية، بلا طموحات أو أحلام نحو ذاتها، بلا رغبة خاصة بها، حين يجدها تمنحه جسدها و هي غير واثقة من رغبتها، حين تذكّره طوال الوقت بأنها تمن عليه بالجنس، و أنها متأففة مستاءة مذعورة، تطالبه طوال الوقت بأن يدفع ثمن بكارتها من أمواله و عمره و استقلاله و فرديّته و حياته، يدفع ثمن تحقيق رغبتها! ينبغي أن تفهمي الحقيقة يا ابنتي، أن تعرفي الفارق بين العالم الحقيقي والعالم المزيف الموجود في رأسك ورأس من هم على شاكلتك، في العالم الحقيقي، لا تمثل المرأة أنها “ضحّت” ببكارتها من أجل الرجل علي مذبح الزفاف، و لا تعتبر نفسها شهيدة، و إنما هي تفعل هذا من أجل نفسها لا من أجله، أن تفهمي أنك قد أخذت بالضبط بنفس القدر الذي أعطيت حين تبادلتما جسديكما، وأنك حين تمنحين جسدك لرجل مقابل اسمه وأمواله و الضمان العائلي، فأنت ترتكبين الدعارة الطويلة الأمد، إن القيمة الحقيقية للجسد هي أن يتم منحه بلا مقابل، و بلا وعود، و بلا هدف سوى تحقق الحب و الرغبة، ألا تفهمين أن الرجل يستاء حين يجدك امرأة مهزوزة هشة ضعيفة، تمنحين نفسك فقط لمن سيضمن لك مستقبلك، من خلال الجنس المشروط بالثمن؟، حين يشعر أنك فارغة و خاوية من الأعماق، أنك بلا شعور ذاتي نحو جسدك، بلا شخصيّة، بلا أحلام نحو ذاتك، أفكارك انعكاس لأفكاره، و عينك على لقب عائلته و على المال في محفظته؟ ، لكنك لو شعرت أنك تحررت من سجن الجسد، من سجن الدعارة الأسريّة والنخاسة الاجتماعية الطويلة المدى، لن تشعري بالعار، لن تشعري بالخجل، لن تشعري بالخسارة، بل ستشعرين بالفخر، ستشعرين بالزهو، ستشعرين بالقوة، ستكتسب حياتك المسطحة بعداً ثالثاً هو العمق، عمق اكتشافك لنفسك، و حبك وتقديرك لذاتك، بصرف النظر عن رجل معيّن، اعرفي أن العالم ينظر إليك كما تنظرين أنت لنفسك.

بشاعة جريمتك جعلتني أنظر للمسألة من فوق قليلاً، و أحاول أن أفهم سرّ الجريمة. لك الحق أن تحزني أنه لم يعد يحبك، و لكن لا تلوميه، لومي نفسك وحدها على تطلّعاتك. لومي نفسك أن أحلامك كانت أكبر من أحلامه، و أن آمالك كانت أعرض من آماله، فليس ذنبه أن توقعاتك للمستقبل لم تكن بقدر توقعاته. كيف تكرهين إنسانا أحببته يوما بكل الصّدق و بكل الرغبة في العطاء؟ كيف تلومين الرجل الذي أحببته و منحته قلبك لأنه افتضّ بكارتك؟ّ لكنك يا ابنتي معذورة تماما في مفاهيمك المختلّة نحو ذاتك و العالم. فحين تفهمين أنه انتقل بك من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الأنوثة، أنه ساعدك في اكتشاف ذاتك و رغباتك، أنك تحوّلت على يديه في شرنقة الحبّ من مجرد دودة قز تسعى بين الحشائش والطين إلى فراشة ملوّنة مرهفة تحلّق حيث تشاء هي بكامل إرادتها الحرّة، فلن تكرهيه أبداً. يا بنيّتي! حين تفهمين أنه حررك من سجن تخلّفك، أنك قفزت بجواره قفزة كبرى و ارتقيت في سلّم آدميتك و أنوثتك، أن ذكرى التخلّص من بكارتك لا ينبغي أن تكون ميلودراميّة إلى هذا الحدّ، و أنها تشبه تدريم أظافرك الطويلة أو تشذيب خصلات شعرك المتقصفة في صالون التجميل، حين تعرفين كل هذا، حين تفهمين كل هذا، فأنت لن تحقدين عليه، لن تكرهينه، بل ستشكرينه، ستزدادين له حباً و إكباراً و إجلالاً، ستشعرين نحوه بالاحترام و العرفان، ثم تفترقان بأناقة في نهاية الرّحلة و بكل الود ستظلان أصدقاء، بلا ضغينة وبلا عداوة. أما هذا الحقد الأسود، هذا الانتقام المريع، فهو نابع من حقدك على نفسك، من ازدرائك لذاتك و وجودك و كيانك، لقد أصبحت ناقمة على نفسك لأنك بلا بكارة.

الرّجال يا بنيّتي حسّاسون على عكس ما يبدون. لقد انتقل شعورك بالتحقير نحو ذاتك إليه. لقد لفظك في ضجر لأنك كنت مزعجة، كنت تحاصرينه بتعال اخطبني و متى ستتزوّجنى، كانت طلباتك كثيرة و كلّها في العمق و في الصميم، لم تكوني لترضين بأقل من ابتلاعه، أردت سحقه بأسنانك و مضغه و ابتلاعه، كنت مصرّة على الاستيلاء على حياته كي تضمني سعادتك الشخصية، الازدواجية هي التي تزعج الرجل الشرقي، إنه نفس الرجل الشرقي الذي يتزوّج برضا وفخر من امرأة غربيّة ضاجعت قبله عشرين رجلاً، هل تعرفين لماذا؟ لأن المرأة الغربية تقف أمام الرّجل الشرقي بكل قوتها وحريّتها، بكل اتساقها مع ذاتها، برضاها عن الجنس بلا مطالب أو أطماع أو ضمانات للمستقبل، بشعورها القوي بقيمة جسدها، باستغنائها الكامل عن رعايته و أمواله، و لأنها تعرف جيّداً ماذا تريد من الرّجل، ألا وهو الجسد الخالص. أما أمثالك فهن يرين أنفسهن لا من خلال ذواتهن، بل يرين صورتهن دائماً مجرّد انعكاس في عين الرّجل، لهذا لا يحق لك أن تغضبي منه حين قرر أن يرحل، لأنك لم تكوني قويّة بشعورك نحو ذاتك، ولا فخورة بما تبادلتما من أجساد.

أسفي عليك يا بنيتي، وأسفي على الشاب البريء. سلامي لك حيث تقبعين غارقة في انكسارك، في أحزانك الفارغة، في انتظارك لمصيرك الأسود، وتمنياتي بالخلاص، مما أنت فيه، أنت وأمثالك.

التدوينة مستوحاه من حادثة حقيقية ذكرتها الصحافة هنا

image

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s