خواطر حول المظاهرات والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية

تابعتُ باهتمام مظاهرات سائقي التاكسي الأبيض ضد شركتي أوبر وكريم اللتان تقدمان خدمة مميزة بسعرٍ أعلى كدليل حي على انتصار الرأسمالية وحرية السوق والتميز الفردي في مقابل فشل الشعبوية والديماغوجية التي تنتصر دوما للأحط والأفقر والأغبى والأقل اجتهادا وكفاءة بشعاراتها المنادية بالعدالة والمساواة، وتتبعتُ كل الأخبار المتعلقة بهذه القصة حين بلغت وقاحة سائقي التاكسي الأبيض منتهاها فقاموا باحتجاز ثلاثة سائقي ليموزين كرهينة وتسليمهم للشرطة في تمثيلية كريهة لالتزام هؤلاء البلطجية بالقانون، وحتى تكتمل الكوميديا السوداء فلنتخيل أن البوسطجية يتظاهرون لوقف تطبيق جي ميل وياهوميل، قد يبدو ذلك مضحكاً، لكنه وهم الحمقى، ﻷن التكنولوجيا لا تعود للوراء أبدا.

ولأن معركة الليموزين يبدو واضحا فيها من هو المنتصر ومن هو الخسران، فإن وقفة هؤلاء الحشاشين الصيّاع هي ملخص نهائي لثورة يناير التي قامت بالأساس على أكتاف عصابة مديوكرز حثالية تماما من الصحافيين والنشطاء اليساريين والاشتراكيين والإرهابيين في سعي متواصل لتفريغ المجتمع من الرأسمالية والمنافسين الكفء (وزارة أحمد نظيف وسياسات جمال مبارك) لصالح ذواتهم الجاهلة المنحطة، وتوجت جهودهم التخريبية التي ترتدي ثوب الإصلاح بمظاهرات التخريب الجماعي في يناير ثم بلحظة تنحي مبارك التي احتفلوا فيها بانتصار المديوكر على الكفء والموهوب

هؤلاء النشطاء والصحافيين بالضبط مثلهم كمثل سائقي التاكسي الذين يبصقون ويتمخطون ويسبون ويدخنون ويضرطون بمنتهى الأريحية في حضور الزبون، ثم يستولون منه على مبلغ إضافي في نهاية الرحلة بالقوة والتهديد والشتائم، والآن يريدون إخراج منافسهم الأنظف والأكفأ من السوق بالاحتجاجات والمظاهرات والاعتصامات، والسعي لتفريغ السوق من المنافسين هو ديدن الضعيف والفاشل، وهو جل ما سعى إليه ثوار يناير، ونحن نجاملهم لو نسبنا لهم قدرة السعى لأى شئ غير الفشل الشامل الكامل ليتساوى الكل فى التفاهة وقلة القيمة المُضافة للحياة والمجتمع وفقط لتقنين وجودهم الطُفيلى، يناير كلها قامت على كذبة الفساد والاستبداد ومحاربة الاقتصادي الليبرالي الفذ جمال مبارك لاستبداله بالشمولية الدينية العسكرية، يناير هات ما عندك بالقوة، يناير عايز مُرتب مدير من غير شغل غفير، يناير بائع الكانتو كل رأس ماله حنجرته الصارخة، يناير الخردة والروبابيكيا، وسيلتهم لفرض التخلف والانحطاط هو العواء والهتاف والمظاهرات والاحتجاج والاعتصامات وقطع الطريق، السبيل الوحيد لتحقق غريزة الموت والفناء، فلماذا يأكل أحدهم بينما نَحْنُ جوعى، لماذا ينجح أحدهم بينما نحن فشلة، لماذا يسكن أحدهم بينما نحن طرداء، إذن فلنحطم حياتهم ونسرق ممتلكاتهم ونحرق منازلهم ونحرمهم من النجاح ليتساوى الجميع في الخراء والوحل

هؤلاء العائشين في الوهم المنتشين بذكريات الثمانية عشر يوما، هوت عقولهم في فجوة زمنية ونفسية تفصلهم عن العالم الحقيقي، كسائقي التاكسي اﻷبيض الذين يريدون للزمن أن يتوقف وللاقتصاد أن يتجمد عند تخلفهم ويناشدون الكون أن يتسامح مع تدهورهم، مجاذيب يناير لا زالوا يأملون أن ينصت العالم إلى هذيانهم عن “الحلم” و”الحرية” و”الخيال” كمصطلحات مطاطة لا معنى حقيقي لها خارج رؤوسهم الصغيرة، لا زالوا يكتبون عنها ملاحم، ملحمة الثمانية عشر يوما للمديوكر الذين شعروا بأهمية لم تحدث لهم من قبل، لحظة المجد ربع ساعة للمديوكر تحت السبوت، بعضهم استفاق وثاب لرشده والغالبية توقف بها الزمن عند هذه الربع الساعة، وقد اختلقوا لأنفسهم عالما خاصا بهم يتذاكرون فيه كفاحهم المسلح لفرض الانحطاط على الجميع، وستمر عليهم بعد عشرين عاما لتجدهم باقين على حطتهم كمسز هاڤيشام، لأنهم لو خرجوا من الظلام يفركون جفونهم كأهل الكهف وفهموا حقيقة وضعهم فسينتحرون.

 

Advertisements

One thought on “خواطر حول المظاهرات والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s