حلاق إشبيلية

img-20160701-wa0014.jpg

تقابلنا في أحد المؤتمرات الدولية للأعمال، جمعنا العمل وبحث الأفكار المشتركة، استيقظت يومها متأخرة كالعادة واستغرقتُ وقتاً طويلاً في التأنق والتزيّن وتصفيف شعري لخلق الانطباع الأول المناسب، ودلفتُ إلى القاعة متأخرة عن عمد محدثة أكبر قدرٍ ممكن من الضجة بصفع الباب. التفتت كل الرؤوس نحوي، كلها تتساءل من هي، ابتسمتُ بشفتين مصبوغتين بالأحمر بدقة، سرت همهمة خفيفة، وبعدسة پانورامية نظرت للجميع وللا أحد في الوقت ذاته، نظرة درّبتُ عيني عليها جيداً تشعر كل فرد في الجمع -كذِباً- أني نظرتُ له خصيصاً دون سواه. غير أنّ المُحاضر بدا منزعجاً بشكل نهائي من دخولي المسرحي الفاقع، ألقى نحوي نظرة دهشة من تحت حاجبين كثيفين استحالت إلى استعلاء وامتعاض، قبل أن يواصل كلمته. جلستُ بعد أن تيقنت أنّ كل من بالقاعة قد شاهدوني وميّزوا هيئتي، وشعرتُ بالرضا عن اختيار ثيابي: تايور أبيض عاجي محتشم، تهفهف تحته بلوزا شيفون حمراء، تنحدر فتحة الديكولتيه منها حتى تمس بالكاد شق الصدر، وتستطيل التنورة حتى عظم الركبة، تنسدل كاشفة عن ساقين طويلتين لامعتين مدهونتين بعناية، ثم ينتهي المشهد بساندال أحمر ذي كعب طويل رفيع، تطلّ منه أظافر حمراء مرسومة بدقة. هكذا أحب أن أظهر دائماً، واقفة في المنتصف بين الوقار والإغراء. ثم بدأت أتابع المُحاضر. تمشى على المسرح ببذلته الأنيقة التي تغلف قامته الفارهة شارحاً فكرته. انتبهتُ لكونه يتحدث الانجليزية بلكنة لاتينية، يمرر يده من وقت لآخر في شعره الطويل الفاحم المنسدل على كتفي البدلة، يتراقص بخصلاته حول وجهه الخمري كلما تحرك ويحوله إلى طاووس. بعد انتهاء المحاضرة، صفق الحضور بحرارة، إلايْ. شكرهم بابتسامة مهذبة، ثم جلس. توالت المحاضرات، وفي استراحة القهوة أمام الشاي والحلوى تولى التقديم صديق مشترك. لم يكلف نفسه عناء إخراج كفيه من جيبي بنطاله ليصافحني، ولم يبتسم. اكتفى بإيماءة باردة قائلا “بوينا نوتيس”، ثم استأذن وانصرف راجعاً مكانه. شعرت بالإهانة من هذه المعاملة المحايدة. الرجل لم يكلف نفسه عناء الالتفات ولا إطالة النظر لكل هذا المجهود المبذول في التجمل والاعتناء، أنظروا! إنه يوليني ظهره! ها هو يتبادل الحديث الباسم وشرب القهوة مع سيدة من بوتسوانا! بدا معتداً بنفسه بحجم السماوات والأرض، قررتُ أن أعامله بازدراء، فهذا هو العقاب الوحيد الناجع لكسر غرور من يتباهون بوسامتهم. انتهى اليوم المثقل بالمحاضرات بالعشاء.

في قاعة العشاء، تحلّق حولي كل الرجال في المؤتمر، جاؤوا باسمين وقدموا بطاقاتهم البزنسية وتعارفوا إليّ وتوددوا، تبادلنا الحديث والشراب، إلا هو. بعد العشاء صعد فوراً إلى جناحه. وبعد ساعة إضافية تخلصتُ من التودد اللزج الذي أحاطني به الجميع، وصعدتُ إلى غرفتي. كان الألم الذي يسببه ارتداء الكعب العالي طوال النهار يرنّ في كل عظامي ويحطم عمودي الفقري، لكن كبريائي منعني من ارتداء حذاء مسطح أقل أناقة، انتظرت حتى دخلت غرفتي، خلعت الساندال وطوّحتُ به كمن يقذف بعقرب. لم أنم من فوري. بدلت ملابسي وعكفتُ على إعداد كلمتي، والپرزنتيشن على الپاور پوينت لمحاضرتي في اليوم التالي. في الصباح استيقظت ملهوفة، واخترتُ تايوراً ربيعياً مبهجا، وحذاءً بلون الفستق. واعتنيت أكثر من آي يومٍ مضى بالزينة في وجهي. السر كله يكمنُ في الحصافة. دهاءُ كلّ حسناء ذكية تضع الماكياچ كاملاً ثم تمسحُ ألوانه الصارخة الفاقعة فلا يبقى منه إلا طيفٌ ملون خفيف يشي بنضارة طبيعية. في بيفيه الإفطار بالفندق ظهر حاملاً طبقاً مملوءاً بالبيض والبيكون والبانكيك والمربى والزبد وكل أصناف الأطعمة الدسمة، بينما اكتفيتُ أنا بقطع من الجبن والفاكهة. ملأ طبقه وجلس يتناول إفطاره بشهية، يمزق الخبز بوحشية ويغمسه في المربي فيلطّخ أصابعه ويلعقها بلا مبالاة. جعل يأكل والشوكة بيمناه على سجيته تماماً كما لو كان في بيته ولا أحد حوله، يمضغ بتصميم ويبتلع بعنف عاقدا حاجبيه الكثين وينظر إلى الفراغ، مستغرقاً بالكامل في ذاته. لم ينظر إليّ ولعله لم يرني من الأصل، ثم أسند ظهره إلى كرسيه وبدأ يحسو فنجانا ضخماً من القهوة متآملاً الحديقة. بعد قليل جاء أصدقاؤه وشركاؤه باسمين حاملين أطباقهم ليشاركوه المائدة، وجعلوا جميعاً يتبادلون الضحك والحديث بالإسپانية.

عندما بدأت فعاليات اليوم الثاني، كانت محاضرتي هي الأولى. ألقيتها بالتعالي المناسب وبوجه جاد تماما حتى انتهيتُ منها. صفق بعض الحاضرين بحماس، بينما ظل البعض الآخر صامتا مأخوذاً بكل هذه الجدية المبالغ فيها. اختلستُ النظر إليه، فلم أر إلا وجهاً صامتاً محايدا. شعرتُ بغصة في حلقي رغم نشوة نجاح عرضي. ثم تذكرتُ فجأة بلا مناسبة مشهده وهو يأكل. تابع المشاركون تقديم كلماتهم، حتى حانت استراحة القهوة، فاجأني نداء أحد المشاركين من خلفي فالتفت ممسكة بفنجاني لأصطدم بأحد الواقفين وتنسكب القهوة الساخنة كلها على ملابسي، أطلقُ صيحةً فزعة تدير الرؤوس نحوي بانزعاج وأصعدُ سريعاً إلى غرفتي لاستبدال ملابسي، وأقرر ارتداء بذلة رمادية اللون وقميصاً أسود. رجعت إلى القاعة فرحبوا بي وسألوني إذا ما كنتُ بخير، إلا هو، قال ساخراً بلكنته اللاتينية “فستان في الصباح وبدلة في الظهيرة؟! أتظنين نفسك في عرض أزياء؟!”. وجمت واحتقن وجهي. قال له أحد المشاركين باستنكار أن ثياب الصباح تلطخت بالقهوة، فهز رأسه باستهانة مغمغماً “سي سي”. طفحت بالانزعاج والكره نحو سماجته. أيقنتُ أنه يحاول تحطيمي، وقررتُ ألا أسمحَ لهُ قط. في نهاية اليوم صعد “هو” إلى المنصة ليشكر الجميع، ويقوم بتقييم محاضرات الأمس ثم اليوم. بدأ يقيّم المشروعات التي قدمتْ بالترتيب. انتظرتُ بقلب واجف، تتابع عرض المشروعات حتى انتهى ولم يحصل مشروعي على أيّ تقييم. امتلأتُ بالسّخط نحوه، إنه يفعل بي هذا متعمّداً، وتحفزتُ لافتعال المشاكل معه في أقرب فرصة. وفي نهاية المحاضرة، شكر الحاضرين جميعاً، ثم قال فجأة مبتسما ابتسامة ساخرة “والآن إلى جائزة أوسكار أبشع تقديم وهذه تذهب إلى مشروع فلانة الفلانية”! سرت همهمة ضاحكة في القاعة. تجمدتُ في مقعدي من شدة الصدمة، وسقط فكي السفلي ذهولاً. لم يكتفِ بهذا، تابع في ثقة مبتسماً وهو يشير إلى شاشة العرض العملاقة منوهاً “ببشاعة التقديم وسوء العرض والإفراط في الكماليات، في المرة القادمة، سنيوره، حاولي أن تخففي اهتمامك بشكل العرض، وركزي على جمع المعلومات وترتيبها بشكل أفضل، أقل بلاغة، وأكثر اهتماما بالإحصائيات والأرقام”. في هذه اللحظة كنت قد فقدت الرؤية تماماً، بدأت الابتسامات والضحكات الشامتة تتعالى وثمة أزيز غامض يصم أذني. نهضتُ إلى غرفتي بوجه مربد تعلوه صفرة الغضب والحنق. عندما حان موعد العشاء، نزلت مرتدية بنطلونا من الجينز وبلوزة بيضاء وسابو أبيض، وبلا رغبة في الطعام تقريبا. كان وجودي من باب تسجيل الحضور لا أكثر. لمحني فابتسم ابتسامة ساخرة، وأدار وجهه، ذهبت إليه وقلت له “يا هذا” قال بأدب مفتعل “أهلا، سنيوره” فقلت له إني لا أرغب في مبادلة الحديث معه ، وقفت على رجل ونص بلا مبالاة أصوّب سبابتي نحوه، قائلة له إنه شخصية سادية بغيضة كريهة حقيرة، وأني أحتقره وأحتقر محاولاته التافهة لإحراجي بلا مناسبة، وأنه لا شيء، وسيظل كذلك، وهو يدرك كونه كذلك، ولا ريب أن كل موظفيه يبغضونه ويمقتون طريقته المتغطرسة في معاملتهم. ابتسم وقال إن رأيي لا يعنيه، وإني كان ينبغي أن أعمل بجدّ أكثر على مشروعي بدلاً من تضييع وقتي في الأزياء والزينة. اكفهر وجهي، ومنعتُ نفسي من صفعه بمجهود ضخم، ثم استدرتُ لأصعد إلى غرفتي.

تتسرب الكراهية إلى النفس البشرية سُمًّا يستشري في الجسد بنعومة كاملة فلا نشعر بالأعراض من تشنجٍ وحُمّى واحتضار إلا بعد يوم كامل من سريانه في الدم. الكراهية، ذلك الشعور الفاتن المخيف الساحق الحار الذي يتصاعد منه البخار. أنا أستاذة في فن العداوة أعبد النقار، أكثر ما يغيظني هو عجزي عن التنكيل به بالمقابل. ظللت أقطع الغرفة ذهاباً وإياباً كلبوة حبيسة أفكر كيف سأرد له اللكمة، ثم انتبهتُ وأنا أسترجع ملامح وجهه في حديثه معي لكونه بدا راضياً عن غضبي. عندما وصلتُ إلى هذه الفكرة، أيقنت أنه يتحفز لرد فعلي، يتحفز للشجار أو على الأقل للعتاب، وسيغيظه جداً ألا أفعل شيئاً. شعرت بارتياح عميق. إن غيظي سيغذي غطرسته وغروره، وبرودي سيكون دلواً من ثلج أسكبهُ على رأسه.

في الصباح التالي طالعتُ الجميع بابتسامة مشرقة. ارتديت فستاناً أنثوياً وردياً بلا أكمام وساندال بنفس اللون بكعب عال. عقصتُ شعري كذيل حصان واكتفيتُ بطلاء شفاه وأظافر وردي. بدا مظهري ناعماً كالنغمة الجميلة المتسقة، أقل عدوانية وتزمتاً بكثير من الأيام السابقة التي قضيتها بالبدل والتايورات والماكياچ الواضح، تلقيتُ الثناء من الكل، حتى من النساء، بابتسامة لطيفة. عندما رآني أمام البيفيه بهت قليلاً واضطرب. جاء حاملاً طبقه المُتخَم، وقال بهدوء صباح الخير. لم أرد، نظرت إليه بازدراء ومضيت أنتقي طعاماً صحياً: مختارات من الجبن والفاكهة والخبز الأسمر. واصل الكلام بصوت هاديء قائلاً إنه يشعر بسوء بالغ منذ الأمس، وإنه لم يقصد قط إحراجي، وكلام من هذا القبيل. تجاهلته وحملتُ طبقي وجلست على مائدة وبدأت آكل قضمات صغيرة. تساءلت بابتسامة باطنية خبيثة هل سيواصل المسكنة؟ هل سيجلس إلى مائدتي؟ لكنه خيب ظني وجلس يتناول فطوره بعيداً.

كان هذا هو اليوم الأخير للمؤتمر، انتهى في المساء بحفل ضخم أقامه الرعاة في حديقة الفندق. تدفقت الشمپانيا وامتلأ الفضاء بالضحك والرقص. وقفتُ مرتدية فستاناً أبيض قصيراً فوق الركبة بحمالات رفيعة مغلق الصدر عاري الظهر، وحذاءًا أبيض تطل منه أظافر حمراء معتنى بها جيدا، وحقيبة عاجية صغيرة، جاء هو مرتديا الاسموكنج، رأسه مكللة بثروة كبيرة من الشعر الفاحم كلبدة الأسد، يعلو فوق جبينه ثم ينسدل ناعماً على جانبي وجهه ويلامس كتفيه. كان يبتسم للجميع. رقص مع أكثر من امرأة ثم جاء مغمغماً هالو. قلت له ببرود هالو. سأل بصوت محايد: نرقص؟ فقلت له إنه يبدو فاشلاً في الرقص وسيدوس على قدمي ويحرج نفسه. اربدّ وجهه ومضى صامتا، شيعته بابتسامة شماتة وهنأت نفسي على سماجتي. رقصتُ مع آخرين، ورقص هو مع نساء جميلات كثيرات تحلّقن حوله. جعل يمرر من وقت لآخر أصابعه في شعره، وبدا وجهه الضاحك مختلفا بشكل كامل عن الأيام السابقة، وحديثه بصوتٍ عالٍ بالإسپانية، الذي تطايرت منه نحوي شذرات لا أفهمها، منحه طابعاً غرائبياً. تجاهلته وغرقت في مناقشات مع زملاء المؤتمر ثم استغرقت في مكالمات تليفونية طويلة مع شركاء العمل. ضجيجُ الحفل والموسيقى يمنعاني عن سماع الصوت فانسحبت إلى ركنٍ بعيد من الحديقة. عندما رجعت بعد ساعة إلى مائدة الأصدقاء كانوا جميعاً قد اختفوا، ولم يبق من رواد الحفل إلا قلة ثملة. شعرت بالهلع من اختفاء حقيبتي. وتوالت الصور المرعبة في رأسي: الحقيبة سُرِقتْ! الپاسپور! الڤيزا كاردس! كيف سأعودُ غداً إلى نيويورك؟! كارثة. بعد دقائق من توالي السيناريوهات المرعبة رن هاتفي، كان “هو”. قال ببرود إن الزملاء جميعاً قد ثملوا وانصرفوا إلى غرفهم وإنه لاحظ أني اختفيتُ وتركت حقيبتي للسرقة فأخذها معه. شعرت بالغيظ من شغل الشهامة المصطنع هذا. أمرته أن انزل لي بها. قال إنه مرهق ولن يتحرك من غرفته خطوة واحدة، وأني إذا أردتُ الحقيبة “فعليكِ أن تصعدي بنفسك إليّ لتأخذيها”. ذكر رقم جناحه وأغلق الخط في وجهي.

يبدأ التفاعل النووي الانشطاري المتسلسل بإلكترون صغير طائش يضربُ نواة يورانيوم ثقيلة ضخمة متأهبة للانفجار. هكذا تفنى مدن بأكملها ويموت ملايين البشر بلمسة واحدة. امتلأت روحي برغبة عارمة في ركله وأقسمتُ أن أفعل عند رؤيته. طرقت بابه بعصبية. فتح بوجه متجهم وقد حل الپابيون عن عنقه وقال بصلف “أهلا” ثم استند إلى الباب مفسحاً الطريق وأشار إلى نضد بالداخل وقال “حقيبتك”. جريت لآخذها وبمجرد أن التقطتها انتبهتُ لغبائي. أنا فعلياً في عرينه. استدرت عائدة فوجدته يسد الفراغ بجسده الفاره فجأة وينظر إلى نظرة حادة من تحت حاجبيه الكثين، فتحت فمي لأقول له ابتعد عن طريقي فهجم عليّ ليسد فمي بكفه العريض ويحيط خصري بذراعه الأخرى وينظر إلى عيني مباشرة مغمغماً

“إخرسي بقى. متعرفيش تخرسي شوية”.

سكنتُ لبضع ثوان في هذا الوضع، هو يحملق في عيني، وكفه على فمي وذراعه الأخرى تطوقني. هفا للعناق، ففكّ طوق عضلاته قليلا، ابتعدتُ منتهزة الفرصة وركلته بمقدمة حذائي في ركبته وجريت، تأوه مندهشاً متألماً من الضربة غير المتوقعة، جزّ على أسنانه وعقد حاجبيه في غيظ، جرى ورائي وسبقني ليواجهني بوجه متقد بالعند مشتعل بالغضب. دفعته في صدره بيديّ فقبض بيدين حديديتين على معصميّ يسحقهما، صرختُ في ألم شديد أنِ ابتعد عني فخفف قبضتيه وجذبني من معصميّ كليهما وألصق ظهري بالحائط والتصق بي بصدره وحده دون نصفه السفلي، اقترب بوجهه وصاح بصرامة “قلت اخرسي” أشحتُ بوجهي وأغمضتُ عيني وقاومته بكل قوة، انزلقتُ من بين ذراعيه لأسفل وجريت نحو الباب المفتوح، لحق بي وسدّ الفراغ أمامي، أحاط جمجمتي بكلتا كفيه بقوة كادت أنْ تسحقها فتأوهت وشلت حركتي تماماً، حرّك يديه لأسفل قليلاً ممسكاً بوجهي واقترب بوجهه ثم هجم عليّ، طوّق جسدي بذراعيه العملاقتين وعانقني عناقاً طويلاً هائلاً لم أتلق مثله قط في حياتي.

ليس كل العناق سواء. هذه ليست بضمة، إنها تعويذة مشعوذ تبث الخدر في العروق، وعبيره الغامض كبخور غرناطة يتسلل إلى خياشيمي، باعثاً على الارتقاء للسماء السابعة. فك طوق ذراعيه الحديدي وركع على ركبة واحدة، تمرّغ بوجهه في صدري وبطني يقبلها من فوق الفستان الحريري زمناً طويلا، ثم رفع وجهه ناظرا لعيني بعينين سوداوين واسعتين وقال متوسلا “لا تذهبي”. نهض وقبّلني، عندئذٍ قبلته، ولم يكن تقبيلاً، كان أكلاً ولعقاً والتهاماً وابتلاعاً بعد عضعضة، ثم حملني على ذراعيه بخفة، سار نحو غرفته وأرقدني برفق على الفراش. جرى مسرعاً ليغلق الباب بإحكام، وفي طريق العودة من الباب إلى الفراش كان قد تخلص من الچاكيت والپاپيون والقميص والحذاء والجورب، وقف أمامي مزنهر الوجه يعض شفته السفلى يلهث عاري الجذع مهوش الشعر مفتول العضلات إغريقياً مبهراً يلمع جسده الخمري بانبعاثات الضوء الخافت المشع من أباچورات متناثرة خافتة. هجم علىّ وعانقني. تساقطت الثياب عني كأوراق الخريف، وحين جرّدني من كل ملابسي أخيراً أطلق صافرة إعجاب طويلة، وقفز بضع خطوات إلى الوراء ليتفرج مندهشاً، ثم عاد يغمر كل جسدي بقبلاته، يدلكه ويربت عليه ويهدهده وينظر إلي عينيّ ويعض على شفته السفلى. وأنا أقبّل وجهه وعنقه وكتفيه وكل بقعة تطولها شفتيّ. ظل مرتديا بنطلونه حتى احتفل بكل سنتيمتر من جسدي مردداً كلمات لافحة غامضة ميزتُ منها “بيللا.. بونيتا.. سمپاتيكا..”، ولمّا تيقن أني لم أعد أحتمل مزيداً من الانتظار، خلع بنطلون البدلة وسرواله في حركة واحدة خاطفة مفصحاً عن السرّ، عن ذلك الشيء الخطير المخيف، الشيء الذي تساءلت عنه بقلبٍ واجف كيف سيكون، فلما استوى أمامي بعريه كاشفاً عن انتصاب أسطوري عملاق والدم يحتشد في قضيبه الفاخر تزينه عروقٌ نافرة هائلة، عرفتُ أن المعجزات لا زالت تحدث في هذا الزمان الذي يفتقد الأنبياء. قال فجأة “هل تسمعين أية موسيقا إسپانيّة؟” قلت له لست أتذكر إلا حلاق إشبيلية لروسيني وكونشيرتو دي آرانخويث لخواكين رودريغو. ابتسم وقال “رجعية وقديمة، ثم إن حلاق إشبيلية أوپرا إيطالية وإن كانت تدور أحداثها بإسپانيا، على كل حال لقد عرفتُ ذوقك.” نهض يشع عُريُه الباهر الفخيمُ نوراً وتمشى بردفين رشيقين نحو آي پود متصل بسماعات، أدار القرص فانسابت الموسيقا. عاد سريعا إلى الفراش وقال بحنان هذه من أجلك: سيرينادا أندلسية لمانويل دي فايا. غير أنه حين تأهب للولوج نفرتُ منه واكتسى وجهي بتعبير شرس، انتفضتُ وأزحته من فوقي وارتكزتُ على سطح الفراش بركبتيّ منتصبة الجذع أدفع بيدي كتفيه لأسفل أنوي أن أعتليه وأتسيد الموقف، فلما انتبه لمحاولتي تسييسه وإخضاعه قطّب حاجبيه وهبّ رافضاً مرتكزاً هو الآخر على سطح الفراش بركبتيه، وانتصابه الخرافي يتحدى الجاذبية الأرضية يشهقُ في الفضاء ويحولُ بيننا، تعاركنا بالأيدي كحيوانين خرافيين جائعين زمناً طويلا لست أذكر مداه، وكل منا يريد أن يسيطر ويُخضع الآخر تحته، يتخلل العراك قبلات لاهبة تركت آثارها الفاحشة في جسدينا، وسط العراك أطبق بعنف بقبضتيه على معصميّ يكاد أن يحطمهما، صرختُ غضبىٰ من شدة الألم وبصقتُ في وجهه، فصفعني صفعة اقتلعت رأسي من عنقي، غير أن دويّ الصفعة لم يرن في الفضاء وحده، بل في أعماقي. شلت اللطمة قدرتي على التفكير لثانية واحدة وأفقدتني سيطرتي على جسدي، ثانية واحدة من فقدان التركيز كانت كافية تماماً لكي يطرحني على الفراش ويستلقي فوقي ويطبق عليّ بطول جسده ويكبل بثقله حركتي. لكنه حين همّ بالولوج، تغير بالكامل، رقّ وشفّ وسما ونَعُمَتْ حركاته، تجهم وجهه واكتسى بتعبير جاد رهيف، بدا كما لو كان مقبلاً على أخطر قرار في حياته، جعل يغمر وجهي وعنقي بالقبلات، يلهيني بها عن آلام الاقتحام، هكذا استحال في ثانية واحدة إلى ملاك يتسلل إلى بوابة الجنة ويجاهد ليمر بأجنحته العريضة من عالمنا إلي عالمه الأصلي.

أيها الناس مارسوا الحب مع من تكرهوهم، لا مع من تحبوهم. عندما تمارس الحب مع شخص تكرهه، تطلق العنان لشيطانك، تأخذ كل شيء لنفسك، يتركز وعيك في ذاتك، عندئذ تمنحه كل شيء، تمنحه ذاتاً عامرة مليئة مكتملة. لكنك حين تمارس الحب مع شخص تحبه، يتركز وعيك فيه هو، تنشغل بإرضائه، ولا تمنحه إلا ذاتاً منقوصة مرتبكة مشوهة، تتمثلُ وعي شخصٍ آخر مغترب عنك، ليس أنت، فتفشل في إرضاء أيكما. ما أتعس من يمارسون الجنس طوال الوقت مع من أحبوهم، اتركوا الكراهية تنمو وتستوي وتتفتح وتزهر، اتركوا الغضب يعتمل ويشتعل ويختمر وينضج، عندها فقط ستتذوقون حلاوة المحبة، المحبة صفاءٌ يخرج من سخام الكراهية كما يخرجُ الينبوع العذب الأخضر من بين البذور الكامنة في الأرض، والمحبة ليست هي الحب، الحب شهوة ساعة، والمحبة عاطفة مستدامة. الحب فعل آنيّ والمحبة فعل أبدي. ثمة أشياء في هذا العالم مستعصية على الوصف، تختنق الكلمات عندها وتصبح محاولات تطويعها لتلائم اللفظ الأرضي الدنئ الضيق التافه المتداول المتعارف عليه مجرد إضافة أخرى لقاموس الابتذال والتشويه والتهوين والاستهلاك. حدثٌ فريد عجيب لا وصف له يجعل الزمان يجودُ بلحظاتٍ طيبة سعيدة نادرة لا محلّ لها من الإعراب. ثمة نقطة في مستوى ما من مستويات الفراغ في هذا العالم عبَرتْ خلال ثقبٍ أسود من عالمنا إلى كونٍ مواز، وثمة نيزك هبط إلى الأرض فاشتعل عند نقطة التقاء الغلاف الجوي بالفضاء الخارجي متحولاً إلى شهاب. يهبط ملاك، يحمل البشارة إلى مريم يخبرها أن يسوع بن الرّب في رحمها لن يعرف إلا الحب. غمغم بعد أن سكنتْ العاصفة بين القبلات الناعمة إنه آسف على هذه الصفعة، وإنه لم يفعل ذلك قط ولم يضرب امرأة في حياته، قال إنه قرأ شخصيتي بلمحة واحدة بمجرد أن رآني، وعرف أي نوع من النساء أنا، قرر أن يعاملني “بازدراء، فهذا هو العقابُ الوحيد الناجع مع المتباهيات بجمالهن”! عرف أني أريد رجلاً قاسياً يتجاهلني، وأني أحتقر من يتوددُ إليّ ويلاحقني، قال إنه كان يتوق شوقاً إلى مس وجهي، وإنه تعمّد أن يغلظ لي القول ويحرجني، اعترف معتذراً أنّ مشروعي كان رائعاً، لكنه تعمد إحراجي كي يكسر غروري، وإنه قضى بالأمس ليلة مضطربة لم ينم فيها جيداً من شدة شعوره بالذنب. وقال أشياء أخرى كثيرة. قال إن والدته إيطالية وإنه تزوج باكراً جداً في العشرين من عمره ولم يحب غير زوجته المتوفاة وأنه يخجل من الله، قال إنه يذهب إلى الكنيسة كل أحد ويفني روحه في الخدمة. قال إن عالمه جاف وخشن تظله الكاثوليكية بالهواجس وتثقله بالخطية طوال الوقت. حكى طويلا وكأنه يعترف صباح الأحد يريد أن يسكب كل تاريخه مركزاً في رحمي، بدا في تشبثه بصدري طفلاً في الخامسة والثلاثين من عمره. ثمة سحرٌ ما في المؤمنين بالله يكللهم ببراءة عذبة لا تجدها فيمن أثقلهم المنطقُ بأحجاره المربعة وزواياه المحسوبة وبراهينه القاطعة. قلت له بهدوء وماذا بعد؟ نظر لى حائرا وقال لا أعرف. خبريني أنتِ. قلت له برقة دعنا لا نبتذل ذواتنا. ستخرج من هذا الباب إلى طائرتك في الصباح راجعاً لإشبيليّة وسأستقل أنا طائرتي إلى نيويورك ولن نلتقي مجدداً. غام وجهه وقال في جزع “لا”. قلت له فلنتركها هكذا، ليلة واحدة أيقونية نتذكرها طوال عمرينا دون أن نسمح لهذا العالم بقوانينه الغبية أن يفسد علينا قدسية الذكرى. سافرتُ وأنا لا أنوي أن أراه مرة أخرى، حققتُ انتقامي حين أخبرته أن قصتنا القصيرة يجب أن تنتهي ها هنا، لكنك إذا أردتَ أن تنتقم، فعليكَ أنْ تحفر قبرين، واحداً لعدوك، وآخر لك. قسوتُ عليه، بغير أنْ أعرف أنّ في آهاته الشبقة فاجعتي وهلاكي. أما هو فعاد إلى إشبيلية محزوناً ثقيل القلب بالفقد فوق الذنب، ليشعل شمعة جديدة تحت قدمي يسوع. مرّ زمنٌ طويل، حاولَ هو فيه أن يتصل بي هاتفياً يريد أن يأتي إلى نيويورك، يدعوني إلى إشبيليّة، وأنا أرفضُ فكرة اللقاء، لم يفهم قط لمَ أتجنبه إلى هذا الحدّ، لم يفهم أني أخاف على نفسي من عذاب التدله والتعلّق. زمنٌ طويل مضى؛ فيه الذهاب لا يعني الغياب، رائحته الغامضة كبخور غرناطة لا زالت تخدّر خياشيمي، آثار حليبه الدافئة العطرة تركها عالقة في رحمي إلى الأبد، ومذاقُ قضيبِهِ الحُلو في فمي.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s