الجسد في أدبِ الكاتبات العربيّات

الحسّ البصري شديد الحدّيّة لدي الفنان الرسام يدفعه لإدراك كل شيء بصورة تشكيليّة، كل شيء، الأشخاص و الأشياء و المعاني و الأفكار، و كافة مفردات العالم المحيط، هناك دائمًا صورة تشكيليّة لكل شيء، لهذا دائمًا ما أدرك النصوص المكتوبة بطريقة تشكيليّة، أو تكون الصورة هي المحفّز البصري لي على الكتابة، من ناحية أخرى كثيرًا ما يشكّل عندي “الانحراف التشكيلي” في النصوص المكتوبة إنزعاجًا بالغًا و يسببُ لي فشلاً جزئيًا أو كليًا في التلقّي؛ الانحراف : الخلل في البناء الفكري و اللُّغوي و البلاغي و ليس انتهاءً بالتشكيل الإعرابي و بخط الطباعة و تقسيم الفقرات و علامات الترقيم و شكل النص ذاته، كلها عوامل تساعدني على تكوين صورة ذهنيّة تشكيليّة؛ ثابتة أو مُتحرّكة؛ للنص المكتوب.

.

.

بينما رحت أتنقل بين أدب الكاتبات العربيات عن “الجسد” التقطتُ بعض الصور الذهنيّة للنصوص، كهذي الصورة للممثلة القديرة هِلن بونُم كارتر، التقطت صورًا أخري لعلاقة الكاتبة بالجنس و بالجسد الإنساني، لا عبر ذاتها و إنما عبر الآخر؛ الرّجل غالبًا، الرّجل-العدوّ، بالموضع الذي تضعه فيه كعدوّ، ككيان يفترض بها دائمًا أن تتحدّاه، و تحاربه، و تؤكّد على تخلفه و تقدميّتها؛ و عجزه عن مجاراتها في تحررها؛ الطاريء و المفتعل غالبًا؛ الناجم عن التجارب السيئة و ليس عن الاختيار الواعي الحر كونها تندد بعودته دائمًا إلى المربع رقم واحد: مربع السلطوية و المحافظين، حيث ترقد أشباحه الدينية و مفاهيمه الأصليّة عن البكارة و التحشم و العفة و الزنا و الإخلاص، و تابوهاته القبليّة و هواجسه الإنثروبولوجية. في مجتمعات متخلفة كمجتماتنا العربية يتضخم بإفراط الدور التنويري للمثقف، حيث التخلف العام يروّج للدور الإصلاحي المفترض للأدب و الفن، الذي يهبط بالإبداع إلى وحل الخطابية المباشرة الزاعقة، في شمولية تحررية مضادة للشمولية القمعية. وسط كل هذا الضجيج لم أجد كاتبة واحدة تحتفي مثلاً بجسد الرّجل الجميل، ولا بإيره، لديهن مساحة ما من الاشمئزاز الممزوج بالارتعاب من إير الرّجل، و أحيانًا من التسخيف من شأنه؛ باعتبار الالتفات إلى قضيب الرجل و جسده نوعًا من التشيؤ الذي يرفضنه و يحاربنه كما يحاربن تشيؤ أجسادهن بالقيم الدينية و الاستهلاكية و الإعلامية المعاصرة، و دائمًا ما يصفنه بتعبيرات دالة على الارتعاب مثل “المدفع” و “الاختراق” و “الإطلاق” و “الانتهاك” و “يشهره كالسلاح”؛ في أدب الجسد النسائي يشيع وصف الجنس العنفواني بأنه “حيواني”، و الجنس جزء من الطبيعة الحيوانيّة للإنسان، لا يمكن أن يكون الجنس إنسانيًا إلا عند خنقه بالكثير من التراث الإنثروبولوجي و الطوطمي الذي يرفضنه هن أنفسهن في مواضع أخري كثيرة، فيغرقن في كليشيّات معاصرة و سينمائية أحيانًا، حيث تُملي علينا الميديا المعاصرة ماذا نقول، و كيف نتصرف في اللحظات الحميمة.

.

.

الأدب الجنسي النسائي كثيرًا ما يكون تعبيرًا عن أزمة سنتمنتالية عنيفة، أو تذاكُرًا لمأساة فقدان البكارة في ظروف سيئة عبر الاغتصاب أو الانتهاك الجنسي. لا يشكل الجسد عند الكاتبة إلا معنى الجنس، و الجنس مع الآخر، باختزال شديد لقيم أعمق يطرحها الجسد: مثل الجمال و الاكتمال الشكلي -الذي يحاربنه باستمرار باعتباره نوعًا من التشيّؤ الاستهلاكي-؛ و القدرة العضليّة الفائقة؛ و الأمومة؛ و ممارسة الحب مع الذات – المفهوم المُحتقر مجتمعيًا باعتباره عادة و سرية أيضًا تترجم فشل الإنسان في ممارسة الجنس مع شريك محب و ملائم. الجسد الإنساني يطرح حلولاً وجوديّة و معان كثيرة غير الجنس، لكنه دائمًا ما يأتي في أدبهن معبّرًا عن معنى الجنس محمّلا بالقضايا الفخمة الضخمة؛ مثل القضية الفلسطينية؛ الحرب الأهلية بلبنان؛ تهجير الأكراد أو النوبيين؛ زواج الخلايجة من الرجال كبار السن بفتيات صغيرات في مقابل المال؛ أو كقضية المثليّة الجنسيّة في المجتمعات المُحافظة، أو زنا المحارم؛ أو الاغتصاب. القاريء باستمرار يقف مواجهًا قضيّة تبريريّة فخمة ضخمة تبرر المشاهد الجنسيّة في الأدب النسائي العربي؛ فيجد ذاته أمام أدب متخلف جعجاع كمجتمعاته التي أنتجته و أفرزت أدبائه و شخوصه، كتابات تلوّح بهذه القضايا الكبيرة في محاولة نرجسية مفتعلة للصدام مع المؤسسة المجتمعية؛ إعلاميًا و رقابيًا و نقديًا، و من ثمّ تحقيق الكثير من الشهرة و الضجيج. الأقبح حين يأتي المشهد الجنسي في إسقاط سياسي ساذج و أهبل، كمشهد اغتصاب جندي عراقي لفتاة كويتيّة، أو مشهد اغتصاب جندي أميركي لفتاة عراقيّة، أو بالبطل يصل إلى الأورجازم متزامنًا مع لحظة انهيار البرجين يوم 11 سبتمبر، عندئذ يصل الأدب إلى مرحلة أليجورية بإعادة تصدير الخطاب السياسي المباشر المفجع في ركاكته و مباشرته و المثير للغثيان.

.

.

مع كل هذا الانتصار المظهري القشري لحقوق المرأة الجنسيّة، و كل هذه الدعوات الجعجاعة الصاخبة لتحريرها جنسيًا في الفراش و تحريرها اقتصاديًا عبر خروجها للعمل و مساواتها بالرّجل في الحقوق و الواجبات، فإن القاريء دائمًا ما يلمح خللاً ما في النصوص، يشي بالكثير من التعالي الطبقي و الثقافي على الآخر، إنه ذلك الاحتقار المُبطّن الذي تكنه هاته الكاتبات المتلبرلات لعمال و عاملات الجنس، رغم كون أغلبهن يساريات النبرة، فإنهن ينظرن بتعال و احتقار شديدين لعاملات الجنس، كما لممثلات البورنوغرافيا، و عارضات الأزياء و ممثلات الإغراء، و يتأففن طوال الوقت من الدعارة و العهر و تجارة الجنس و صناعة الموضة، كأنهن يردن أن يسير الجنس على خُطى مؤسسيّة جديدة بشعارات الحب و الفضيلة وحدها، و كأن هناك جنس فضيل و آخر رذيل. الجنس هو الجنس؛ بغض النظر عن الإطار الذي يُمارس فيه، هذه أزمة من أزمات كثيرة يسقط فيها الأدباء اليساريون كجزء من إفلاس اليسار العربي الذي اختزل قضيته طويلاً في قضية التحرر الجنسي بطريقة “نبيلة”، و الإصرار على أن عاملات الجنس يقتلهن الفقر و الجهل و ينتظرن لحظة الخلاص من هذه “المذلة” بالعمل “الشريف” و الحب، في ترويج مبتذل أفلاطوني لفكرة “المومس الفاضلة” على كونها فكرة مستهلكة و سخيفة قتلها الأدب و السينما تناولاً و معالجة؛ العاملات بالجنس لسن بالضرورة فقيرات أو مضطرات ينتظرن الخلاص، كثيرات منهن كمحظيات فينسيا القديمة يجدن في هذه المهنة ذواتهن بشكل حقيقي كامل و مكتمل، و كأن هؤلاء الكاتبات المتلبرلات نسين أن محاولة تأطير الجنس بالمفاهيم الإنسانية و الأخلاقية هو نوع جديد من السلطوية التي يحاربنها طوال الوقت، كما نسين أن ألف باء حرية هي احترام رغبة المرأة في تسليع جسدها، بكامل حريتها في أن تعمل ممثلة إغراء أو نجمة بورن أو عاهرة، ما دامت الدعارة اختيارها و جزءًا من حريتها الشخصية كمهنة لا قوادة فيها و لا إكراه، و عدم إطلاق الأحكام الأخلاقية عليها، ذات الأحكام الأخلاقية المجتمعيّة اللاتي ينددن بها في كل موضع آخر من كتاباتهن، و يشكين من ثقلها طوال الوقت، فيقدمن للقاريء الوجبة المعتادة: الجارية المتلفعة بالبرقع، نصف مغرية نصف وقورة، لا تعبر عن مشاعرها الجنسيّة إلا في إطار سنتمنتالي أخلاقي ضيق خانق كمن يتلصص على حديقة غنّاء من ثقب المفتاح، بعد كل هذا الكلام الكبير عن الانفتاح الجنسي و الحريات و نظريات البوح.

.

.

إذن؛ لدينا كاتبات متلبرلات، و لسن ليبراليّات. لأسباب كثيرة، فالحياة إما أن تعيشها و إما أن تكتب عنها أدبًا، إن من يحيون لا يكتبون، في مساحات عريضة من مشاهد الجنس هذه أشعر أنهن لم يمارسن الجنس بهذه الطريقة إطلاقًا، و أن هذه الكتابات جزء من عالم مراهق سنتمنتالي خرافي غير واقعي لازلن يعشن فيه رغم أن غالبيتهن شارفن على سن انقطاع الطمث؛ أو تجاوزن هذه المرحلة بسنوات؛ لكنهن لازلن يكتبن عن الجنس بطريقة عاطفية في محاولة بائسة للتشبث بأذيال سعادات وهمية مختلقة مجتلبة من عالم الروائيات الانجليزيات العتيقات اللاتي لم يكن يجرؤن على أن يعشن الحياة في مجتمعات القرن التاسع عشر المغلقة، فلم يبق أمامهن إلا الكتابة عنها. في مساحات أخرى تجعجع الكاتبات بحديث مباشر عن “تحطيم التابوهات” في لهجة خطابية مباشرة ؛تؤكد أنّ التابوهات و الطواطم لاتزال جاثمة على صدورهن؛ بدليل أنهن يحاربنها بهذا العنف و الشراسة طوال الوقت؛ بكل هذا القدر من الجعجعة و الصراخ، و التابوهات لاتوجد في العالم المادي، إنها تعشش فقط في الأذهان عبر ميراث التخلّف الثقافي و المعرفي التلقيني الطويل، و حين تسقط حقًا فإنها تسقط ببساطة و تتبخر، هكذا، كطرقعة الأصابع، و يأتي التحرر سلسًا و بسيطًا و ناعمًا دون تحطيم و لا ضجّة، المشكلة مع هؤلاء الكاتبات المتلبرلات هي أنهن لا يردن السماح للتابوهات بأن تتبخر أو تختفي في كتاباتهن، و إلا فسيفلسن أدبيًا، و يفقدن المأساة و الحبكة، فيقمن بإعادة تدويرها و استهلاكها كما تدوير النفايات، فيسقطن في محاولات بدائية لاستحضار الأرواح الشريرة ثم يقضين الليلة في محاولة صرفها بطريقة دونكيشوتية مثيرة للشفقة، لفرط ركاكتها و ابتذالها.

.

.

الجنس في أدب الكاتبات العربيات صارخ بلا لهف، ضجيج بلا طحين، جنس هو المعادل الأدبي لصورة هِلن آبونُم كارتر تلك، ملطخ بالأصباغ مفتعل مختنق بمشدّات الصدر مُتجمّل يهدف إلى خربشة القاريء و ركله و العواء في وجهه، و العواء في وجه الأسد من عمل الفيران، كطفل يدبدب على الأرض طالبًا الاستحواذ على انتباه الضيوف في منتصف الصالون، جنس يعادي الجنس، مثقل بأوهام التنوير و النضال و جنون العظمة و التلبرل المفتعل و هوس مصادمة المجتمع و هذيان الجنس الجماعي و أحلام اليقظة العاطفية المنفصلة بالكامل عن الواقع، أو يحمل أبعادًا سياسية خطابية مباشرة، يجعجع طوال الوقت بالمساواة و الحقوق و الفمنستية و معاداة الرجل و مناطحته إلى درجة الاسترجال و اتخاذ مواقف متطرفة في جندريتها و الصراخ بتكسير التابوهات، بينما يشكل هذا الموقف الراديكالي في حقيقته تابوهات جديدة ثورية الطابع؛ تعاود الكاتبة اختلاقها و التغذي عليها و استحضارها كي تعترك معها.

.

.

أتمنى أن أقرأ مرة في الأدب العربي فقط عن الجسد وحده، و عن الجنس وحده، الجسد الجميل الصحيح، و الجنس غير المثقل بالقضايا و أوهام التنوير و التحديث و النضال و التعلمن و التلبرل و المساواة و تحرير المرأة، جنس يضع الرجل في مساحة الصديق العزيز، يحتفي به و يمجّده و يبجّل جسده الجميل الشاب مفتول العضلات سليم الانتصاب، جنس يشعر نحو الشريك – أو الذات – بالامتنان، أو يعبر عن العاطفة الذاهبة بالأسى اللائق بها باعتبارها معاناة ذاتية أو وجوديّة، دون أن يسيّسها و يجعلها مأساة مجتمعية أو قضيّة حقوقيّة للتنديد بتخلف الرجل الشرقي و جهل الرجل الشرقي و رجعية الرجل الشرقي، و يجرجرها إلى ميغافونات الإعلام و التلويح بها لتحدي المجتمع البطريركي. أتمنى أن أقرأ عن الجنس ذي الملمس و الرائحة و العبير و الأديم و الطمي و الندى و المذاق الحريف للمتعة المجيدة، جنس يتصالح مع الشريك أيًا كان، أو حتى مع الذات، يشاركه المتعة و الألم و البهجة و ليس التناطح و العداوة، أريد أن أقرأ عن الجنس الحقيقي المباشر الحر المكتفي بذاته كفعل مكتمل غير مؤدلج بأي شكل من الأشكال، الجنس غير المثقل حتى بثياب الحبّ و الإخلاص. بهذه الطريقة الناعمة وحدها سيتحرر الأفراد ثم المجتمعات، دون صفع أو ركل أو خربشة أو صريخ؛ أريد أن أقرأ عن الجنس، هكذا ببساطة، الجنس دون أية حُليّ أو أصباغ أو ثياب، في المكعب ثلاثي الأبعاد من الفراغ الذي يتحرّك فيه من يمارسونه ببهجة و إخلاص للحظة الراهنة وحدها.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s