العَدَميّة التي ليس منها بُد

هذه روايةٌ سامة، بل أغرب رواية في العالم، بما تحويه من قدرةٍ على العبث بعقلِ القاريء، وفي الضرر النفسي المستديم الذي تتركه في الشخصية والضمير. على عكس مذكرات مركيز دو ساد التي تترك في الذهن انطباعاً دمويا مباشراً بالتقزز لوصفه مشاهد التعذيب وتشويه الأعضاء، رواية كائن لا تحتمل خفته لميلان كونديرا تنخر بشكل جهنمي في الدماغ. هذه رواية خَطِرة، يتكومُ أثرها الخبيث ببطء سُمًّا زعّافا، لا في مشهدٍ وحشي، “كيتشي”، كأفلام الرعب الرخيصة لحفنة من المراهقين يذبحون بعضهم بعضا، عنفٌ مباشر يُمكن تجاوزه بإشاحة النظر أو غلق الصفحة، بل في تدمير الأفكار الأصلية التي يرتكز عليها كيان القاريء، الإنساني والأخلاقي، هذه الرواية كانت السبب المباشر في انتحار أروى صالح صاحبة العمل الوحيد “المبتسرون” بعد أنْ فهمت الكيتش فعجزت عن التعامل مع الحياة، ألقت نفسها من الطابق العاشر. لم يحتمل صدقها الكامل و تماهيها مع مبادئها اكتشاف أن كل ذلك الزخم كان مجرد كيتش، نفاية، وهم حقير زائف، فن هابط، ولما انقشع الوهم فقدت الحياة التي ارتكزت كليّةً على الوهم معناها، فوضعت حدًا لحياتها بعد أشهر قليلة من صدور الكتاب

طرح كونديرا في ذهني أسئلة مُعذبة مُرة متعلقة بالحب والاخلاص والجنسانية وأصالة الإبداع وفن التلقي و الفناء في الحب والكره والخفة والثقل لم أجد لها أي إجابة، حتى وجدتُ الإجابة الشافية عن كل تساؤلاتي المرة في كتاب المبتسرون لأروى صالح وهي تحلل الكيتش ولحظة الخفة التي تكاد لا تحتمل.

***
الكيتش أول تعريف له قدمه الأديب هو كلمة ألمانية انتشرت في القرن التاسع عشر العاطفي على حد تعبيره، والكلمة الألمانية تعني “نفاية”، وصارت إشارة معتمدة للأدب والفن الهابط وبهذا المعنى دخلت القاموس ما بعد الحداثي، المتسامح كما هو معروف إزاء هذا النوع من الفن. غير أن الكاتب يستخدم الكلمة هنا في سياق خاص – فيما يبدو لي- سياق يشير إلى نوع من أنواع الرومانسية، والعاطفية “المستبدة” وليتقبل القارئ مرادًفا “لحلم الخلاص الجماعي” بالمعنى يمكن القول أن هناك نظريات عدة تقابلها أنواع عدة من الكيتش، فهناك الكيتش الكاثوليكي والبروتستانتي واليهودي والشيوعي والفاشي والديمقراطي والنسوي الأوروبي والأمريكي والقومي والأممي ويمكننا أن نضيف بالطبع، الإسلامي. وفيما يتعلق بالكيتش اليساري هناك “المسيرة الكبرى” هذا الشيء الرائع للأمام باتجاه الأخوة والمساواة والعدالة والسعادة. جميل أن تحلم بأن تكون في عداد جماعة تمشي قدماً عبر العصور. إن ما يجعل اليساري يسارياً، ليس هذه النظرية أو تلك، بل مقدرته على إدخال أية نظرية كانت إلى الكيتش الذي يسمى بالمسيرة الكبرى، ذلك أن هوية “الكيتش” لا تتحدد من خلال استراتيچية سياسية، بل من خلال صور واستعارات ولغة معينة وهذه الفكرة الأخيرة اكتشاف فذ بحد ذاته.

في مملكة الكيتش التوتاليتارية تعطى الإجابات مسبقاً محرمةً بذلك أي سؤال جديد، لذلك فبقدر ما أن الكيتش هو – في آخر المطاف – المثال الأعلى لكل السياسيين ولكل الحركات السياسية، يكون الإنسان الذي يتساءل هو العدو الحقيقي للكيتش، ولذلك فإن الكيتش قناعٌ يخفي وراءه الموت. هذا في رأي الكاتب التشيكي على الأقل، فما سبق هو مجموعة من عباراته في الكلام عن الكيتش، مجموعة هنا دون تصرف تقريباً، ومع ذلك فلم أقدم للقارئ حتى الآن تعريفه الخاص للكيتش، والذي يقع بالضبط عند نقطة التماس بين “النداء العام” أو نداء الواجب وبين الدوافع الخفية، ومن ثم يفسر لقاءهما، إنه “الوفاق التام مع الوجود” كرغبة محرقة عند أناس يشعرون بالضبط بعدم الوفاق مع أنفسهم ومع العالم كأنهم خلاصة لإحساس أشقائهم البشر بالنقص الكامن دوماً في الكائن الإنساني (ربما خفته التي لا تحتمل) والساعي
أبدا للاكتمال، الثغرة في الوجود الإنساني، التي من توترها بين الحلم والواقع – بين الأمل في الوفاق التام والعجز عنه- تصنع المواهب الكبيرة، وأيضا كل أنواع الإحباط والفشل والجريمة.

غير أن لحلم الوفاق التام ككل أوضاع وصور الوجود الإنساني – معضلاته أو “تناقضاته” إن استخدمت تعبيراً هيجلياً عميقا جداً بالمناسبة فلكي يثمر حقا ينبغي أن تصدقه بما يكفي كي تقامر – تقامر حتى بوجودك كله في لحظة، وهو بالضبط ما يفعله المناضلون في لحظة انتشاء بإمكانية “تجاوز” الوجود الفردي والمصيري، ولقد عرفنا كلنا – حتى أسوأنا- حلاوة هذه اللحظة، إنها لحظة حرية، لحظة خفة لا تكاد تحتمل، من فرط جمالها. ولكنك لو صدقته إلى حد بلوغ حالة من “الوفاق التام” بالفعل – الوفاق التام مع الذات، أو مع الكيتش حلم أو أسطورة الخلاص الجماعي أياً كان الكيتش الذي اخترته لنفسك، فقد دخلت رأساً دائرة ملؤها الشر بل الجنون. حينئذٍ تفقد التسامح، لا تعود مستعداً لقبول أي تناقض مع الكيتش- إذ لا يعود البشر بالنسبة لك عوالم حية، أي متناقضة، بل أشياء تضعها على سرير بروكست الذي يحدده الكيتش، تقطع رأس هذا، وتمط رجل ذاك، كي يتلاءما مع طول السرير، مع قالب الكيتش، تغدو أكثر ثقلاً من غطاء حجري لقبر، جدرانه اليقين، فمشكلة الكيتش أنه “يطرح جانباً كل ما هو غير مقبول في الوجود الإنساني” حتى أن الأديب يصفه في تعريفه الثاني له المجتمع الاشتراكي أو الشيوعي، أو بأن الحزب الشيوعي هو “أرض محررة” للشيوعية والشيوعيين في المجتمع البرجوازي وهو كلام كان يردده مناضلونا تلك القناعة التي ترفض مطمئنة واثقة كل تناقض، كل اختلاف سوى الاعتراف السعيد – الأبله- بالتوافق التام مع الكيتش المختار تلك الأخوة الباسمة في المسيرة الكبرى _ أو في الله_ هي القناع الذي يخفي الموت بل الجنون، فبفضل هذا اليقين ارتكبت أفظع مجازر الشيوعية – وكذلك توافهها المهينة للعقل- الرهيبة لهذا السبب، حتى في جماعاتنا التي لم تواتِها الظروف كي تمسك بسلطة، وهي ذاتها التي تلهم شبانا مؤمنين اليوم ببرودة قلب الَقَتلة. فقط حين تتعامل مع الكيتش بوصفه كذبة جميلة، لا يعودُ كيتشا إذ يفقد مقدرته السلطوية، يصبح مؤثراً كأي ضعف بشري، وهو ما لم يتسنّ في حالة أبناء جيلنا أعني- إلا على امتداد رحلة، رحلة تصديق وحب -مثخنة، ورحلة عودة- لا إنكار فيها، وهذا شرط. إلى ماذا تعود؟ للمجتمع البرجوازي؟ عودة ابن ضال، إلى الذات، لحلم قديم تطارده؟ ألف احتمال، كل الأمر يتوقف عليك تماما

***
هذا هو تحليل أروى صالح للكيتش، بوصفه دائرة ملؤها الشر والجنون “تفقد التسامح” هذه حقيقة، وفقدان التسامح يجرجرنا لارتكاب العنف، لا تعود مستعداً لقبول أي تناقض مع الكيتش- إذ لا يعود البشر بالنسبة لك عوالم حية، أي متناقضة، بل أشياء تضعها على سرير بروكست الذي يحدده الكيتش، تقطع رأس هذا، وتمط رجل ذاك، كي يتلاءما مع طول السرير، مع قالب الكيتش، تغدو أكثر ثقلاً من غطاء حجري لقبر، جدرانه اليقين

***
أفسدت الرواية قدرتي على الحكم السليم على هذا العالم، أربكتْ ما كونته طوال حياتي من إدراك، ابتلعتْ القوة والاطمئنان بداخلي المرتكزين على حفنة من الأحكام الضميرية المعينة، بالتحديد طرحها القاسي للكيتش، وما يتبع انقشاعُ الوهم من خواءٍ يعقبُ التخريب الكامل في العقل والشخصية، الكيتش: اللفظ الكارثة. صَدَّرتْ لي الرواية كامل العجز عن التذوق الإبداعي بفعل ارتباك قدرتي على الحكم لما سببته لي من خلل مُدمر جعلني لفترة طويلة من الزمان أقيّمُ كلّ شيء بتساؤل جوهره “أهو كيتشي أم غير كيتشي؟” توهمتُ أن كل شيء في العالم قد أصبح كيتشيا وأنَّ كل ما قد يقال قد قيل من قبل ولأرى البشر في انفعالاتهم المتشابهة نحو ذات الموضوعات يرجعون إلى أصلهم قطيعاً من الحيوانات القابلة للإيحاء. عجزتُ عن مشاهدة الأفلام والاستماع إلى الموسيقى بذات الحماس القديم، ثم لم يمضِ وقتٌ طويل حتى انسحب ذلك العجز على فهم النكتة! عجزتُ عن التقاط خيط السخرية والكوميديا في الحياة والدراما، موسومة بوسم الجديّة والجهامة، حيث الحياة قاسية، لا وقتَ للضحك. لم أعد أضحك، والعجز عن الضحك صنع مشكلة عنيفة، غير المشكلة الروحية، مشكلة فيزيائية بالتحديد: التغيّر الحاد في بنية عضلات الوجه بفعل التجهُّم والتقطيبة المستمرة اللاشعورية، الأغرب أنَّ العجز عن تذوق الجمال والتمتع بالفنون انسحب نهائيا على القراءة حصني وملاذي الأخير فتوقفت نهائيا عنها، لم تعد القراءة متعة، صارت عبئاً ثقيلاً مُخيفاً، لم أعد أهتم بالكتب الجديدة ولم تعد الإصدارات الهامة من الأعمال العالمية تعنيني ، أما الجرح الذي تركته بداخلي تلك الرواية فنزف في تحول وجودي كامل، تجلّى في القدرة بشكل غامض على العدوان الفيزيائي وارتكاب العنف، اللفظي والمادي، ودون أدنى ندم. كنتُ قبل أن أقرأ هذه الرواية بالفعل شخصا طيباً ولطيفاً ومسالما، بالذات قبل الثورة، لكن مع ضربة الوعي بمعرفة الكيتش والغوص فيه عبر التأمل المنفرد تكشف لي كيتشي الخاص، السافل الجميل المعذب المخرب، كيتش الحب ومعه كيتش التسامح والسلام، بدأ كيتشي الخاص يتشققُ وينهار ومعه بدأت ركائز عالمي تنهدمُ سريعا، ولم يكن الهدم سهلاً، كان كما في نص روزباد يشبه فقدان الإيمان أو “تقشير الجلد وترك الأعصاب مكشوفة كأسلاك كهربية عارية مغروسة في اللحم مباشرة” غير أنّ الكيتش حين سقط لم يخلف وراءهُ ذلك الفراغ المطْلق المُريح، أو ذلك الموات المسالم الجميل، بل أسرعت الكراهية من فورها لتحتل الفراغ الذي خلفه وراءه انهيار كيتش الحب، صنعت الكراهية عداوة بين شخصي والجميع، والكراهية تأكل صاحبها في النهاية حتى لا يتبقى منه شيء، أصبحتُ عصبية وعدوانية وضيقة الصدر وسليطة اللسان، وتفننت في خسارة الأصدقاء، أصبحتُ أفعلُ ذلك بلا وعي تقريبا، بنوع من نزعة جبر التكرار، “حيث يقوم المرء بفعل معين يعرف بعقله أنه يؤذيه ولا يستطيع أن يتوقف، كما في حالة من يجرحون أنفسهم”.

تبدّى لي بعدها بأشهر قليلة الكيتش المفزع الأكثر فداحة في تاريخي الشخصي وتاريخ البشرية: كيتش التمرّد والثورة. الكيتش الذي اعتمدته لعشر سنوات في حياتي منذ سن الثامنة عشرة حتى سن الثامنة والعشرين، لحظة؛ بل لحظات كثيرة من الخفة التي تكاد لا تحتمل، ليس أولها التشرد في الطرقات وليس آخرها الثورة على السلطة: سلطة الأب والمعلم والأكاديميا والقانون والذكورة والمجتمع والدين، الثورة الشخصية التي انتهت بالفشل الذريع، بالضبط كالثورة الكبرى، و لذات السبب وتحت وطأة ذات آليات الفشل، حيث تتحرك الشعوب، الجماهير الغفيرة، بحماس في مواكب هائلة حارة، يقودها الشباب دائما،ً تهفو إلى الخلاص من الظلم والقهر والعبودية، سعيا نحو عالم أجمل وأنظف وأعدل، دون أن تدرك في وهج لحظة خفة الانفعال الثوري التي لا تحتمل أن الثورة تنتهي في كل مرة إلى ذلك التحالف الثقيل الخالد بين البورجوازية والبيروقراطية، الثورة: الخفة المُحلّقة التي تكاد ألا تحتمل، ثم البيروقراطية: الثقل النافذ المُميت، الذي ليس منه بُدّ، “دولة القانون” المزعومة التي تمنعنا من نيل حريتنا، دولة الجيش حيث تصبح الدولة بكامل جهازها البيروقراطي مُعادية للفرد، لحريته وكرامته وإنسانيته، كانت البيروقراطية الفرنسية الأقوى نفوذاً بصفتها الأذرع الأخطبوطية للدولة، هي التي أخمدت حركة الطلبة في فرنسا ١٩٦٨ بالتحالف بين قادة النقابات البيروقراطيين والبورجوازيين لإنهاء الحركة الثورية بإلقاء بعض الفتات القليل للطلبة والبروليتاريا، وانتهت الثورة بشكلٍ غامض بعودة العمال المضربين إلى المصانع بالتدريج، ودون سبب واضح، فغضبت الكتلة الثورية ونددت بما حدث مرددة مقولة ليون تروتسكي:
“لن يتحرر الإنسان حتى نشنق رقبة آخر رأسمالي بأمعاء آخر بيروقراطي”.
***
“أليس من ذلك بد؟ بلى، ليس من ذلك بد.”
 
كونديرا

***

Nihilism
“كونوا واقعيين واطلبوا المستحيل”
***
بعد فترة، حوالي السنة، في بداية خريف العام ٢٠١٠ اعتزلت المشهد الثقافي رسميا وأصبحت الناسك، كانت المأساة من العنف بحيث بدأت تنمو وتتضخم لكن لم يكن مسموحاً لها أن تخرج فجعلتْ تنبعج إلى الداخل لتجرح وتشوه. غمرني شعور بالتخمة جعلني أتوقف عن المضغ والابتلاع، فلماذا آكل والأفكار تخرجُ من الأحشاء، بدأتْ التفاعلات الحارقة لكل هذا الدمار الشامل تطفو قليلاً في صورة نصوص مختلفة المذاق، مطلقة الذاتيّة، نافرة من قضْيَنَة الكتابة، تسامٍ أو عدمية سيّان، سببها الأساسي التوقف نهائيا عن التلقي وموت البهرة بأي شيء وكلّ شيء، مصحوب بنفورٍ موازٍ من “الثورة” منذ اللحظة الأولى كوني أعرف جيداً كيف يكون عنف السقوط إلي الواقع الثقيل بعد عنفوان التحليق، حدث ما توقعته بالضبط: بدأ الكثيرون بعد الثورة في التشقق والانهيار، كثيرون فقدوا أعصابهم وعقولهم وجنّوا بالجُملة، لم يحتملوا السقوط المُحتّم، ظلت أرواحهم معلقة إلى الأبد في برزخ لحظة الثورة الأولى بالرفض أو التصديق، يموتون غضبا أو شوقا لاستعادة لحظة التحليق، غير مصدّقين كونها كيتشاً، وكيف ذلك وقد توحّدوا مع الثورة أو ضدها حتى تجمعت ذواتهم في نقاط كثيفة تدور عبر الزمن حول نقطة واحدة هي لحظة الانفجار، لقد انفجرت الدوامة، فتناثروا ذرات، تاهوا، وللأبد

انسحبتْ العدمية الفكرية الجديدة على الحياة كلها فلم أعد معنية بأي أفكار تستلبُ من وجودي المادي ذرة واحدة ولأحب نفسي أكثر وأنا أتجمل بالأفكار. أمست الأفكار بالنسبة لي كقرطٍ في أذني، كساعة في معصمي، كطلاء الشفاه، بضاعة للتباهي، لكني لم أعد مستعدة لأن أموت من أجل أقراط الأذن أو أقلام الشفاه، إنها حتمية المادة أولا وأخيرا. من اللطيف أن تكون المصطلحات الحضارية المتداولة، تلك الموحية بالخفة والتحرر من تراث ديني ومجتمعي طويل، مجرد ستيكر متداول أنيق يجعل الفرد مقبولا في المجتمع المتحضر، لكن من المستحيل أنْ يكون لهذه الأفكار وجود عميق في حياته وإلا فسيكون التوحد والتماهي المطلق معها مأساة إنسانية ثقيلة، لا تعني إلا المزيد من التكريس للمسوخية والتشيؤ، كيتش يختزل الأفراد ويحوّلهم إلى كيانات أيديولوجية بالكامل، إذ يصبح هنا التفاعل الحقيقي مع الحرية نوعا جديدا من الاستعباد، نوعاً من الثقل سببه محاولة اعادة استيلاد الخفة التي لا تحتمل من قلب الواقع الثقيل، فيها يغدو الفرد أسيراً لوهم في رأسه، يحارب من أجل أطروحات استقطابية ثورية متطرفة ضد الكيتش تعتبرُ بذاتها نوعا من الكيتش. هناك أيضا علكة الديموقراطية التي يتداولها الجميع، باعتبارها الخلاص الوحيد والنهائي للشعوب، والديموقراطية في العصر الحالي تكريس للبيروقراطية والأوليجاركية، أو تكتشف أخطر كيتش في تاريخ البشرية: إنه كيتش التمرد على الكيتش! الكيتش الذي يدمنه المثقف لاحتياجه المريض إلى إثبات أن “الكل باطل” فيحاكم العالم بالأيديولوجيا عامداً إلى هدم وتدمير كل ما هو رائع وجميل وإنساني وخالد، الكيتش يحاصرُنا من كل جانب يتسرب إلينا من كل ثقب في هذا العالم والفرار من الكيتش مسألةٌ كيتشية، أصبحت في أيامي الأخيرة أكثر تسامحاً مع الكيتش أراهُ في جوهره تعبيراً عن كل ما هو جميل وإنساني وساذج وبريء، وهو أيضاً كابوسٌ جاثمٌ مستديم لا حل له إلا الاستئناس والتدجين ومحاولة التعايش والتفهم والاستمتاع بعناصره التي يغلب عليها التحديق في التافه والطفولي والساذج والمبتذل والطريف من الحياة وهو ما تجلى في رفض الثقافة كلية بصفتها قادرة على تدمير المتعة العاطفية البدائية البسيطة في نص منطاد زبلن

في هذا النص، تتحدث الراوية عن حالة من العجز الجنسي لدى رجلها الأديب والمثقف والمفكر، فالمثقف، صاحب الذات الخاوية المتضخمة، يدفعه ارتخاؤه المزمن والشعور بالقهر والدونية مع امرأته ليس فقط لإنكار عجزه، بل إلى افتعال صورة براقة لذاته أمامها وأمام المجتمع، إنه يحدثها عن الحب دون أن يحب، يدردش حول نظريات فرويد عن الجنس بأكثر مما يمارسه معها فعليا، لتردد في أعماقها صرخة متحشرجة تنويعة على صراخ المظاهرات “يسقط يسقط سيجموند فرويد”. هي في أقصى حالات اليأس ترغب في مظاهرة مدوية داخل ذاتها المحبطة لإسقاط النظرية والتنظير، تتمنى أن تسافر إلى مايوركا، مدينة “إكزوتيك”، كي تمارس الحب مع رجل غير مثقف، غريب، مع رجل تختلف ثقافته عن ثقافتها لا يتحدثان نفس اللغة المشتركة، هذه الرغبة في الفرار التي يصرخ بها النص هي رغبة القاريء المخدوع في العودة إلى عالمٍ “طبيعي”، عالم بلا ثقافة، بلا تنظير، وبلا ألاعيب لغوية أو فكرية، ثم تنتهي الحالة الجاثومية برغبتها الوحشية في قضم قضيب المثقف العنين الغارق في التنظير، الثرثار العاجز عن الفعل، غضباً من محاولاته المريضة ليّ عنق الحقائق وتقديم قراءات مزيفة للتاريخ تخدم ذاته الضيقة وموقفه الشخصي مطلق الانحطاط من الحياة. الراوية في النص هي المعادل الرمزي للمتلقي أو القاريء بينما المثقف العنين هو المعادل الموضوعي للمفكر أو المبدع، وأيضا المعادل الرمزي للخواء و زيف الثقافة وقدرتها على تدمير حياة البشر وافساد عقولهم ونفسياتهم، أما العملية الجنسية فهي المعادل الموضوعي للعملية الابداعية ذاتها تلك التي لا يمكن أن تتم إلا بين مبدع ومتلق، الانتصاب أوالتدفق هو العامل الحاسم في نجاحها، ومهما كانت المرأة إيجابية وفاعلة ومبادرة في ممارسة الجنس فإن العملية في صورتها الطبيعية يستحيل تمامُها بغير الدور المحوري للانتصاب الذكري باعتباره المعادل الموضوعي في النص للفعل الابداعي عند الرجل أو المثقف. ينتهي النص نهاية غامضة تتجلى في رغبة المتلقي العارمة في التخلص من سطوة المبدع الإجراميّة على وعيه، غضباً من محاولة الأخير إفساد عقل الأول وأحكامه المنطقية على الأحداث والأشياء والتاريخ، ينتهي بلحظة خفة تكاد ألا تحتمل، تتجمع فيها أبخرة الانتقام والغضب والثورة والقدرة على تجاوز الهواجس الحضارية التي تمنع البشر من ارتكاب جريمة القتل باعتبارها فعلاً مُخالفاً للقانون، يُختتم النص برغبة الراوية في التحرر من المثقف بقضم قضيبه وقتله، القضيب: الرمز التاريخي للسيطرة، للتخلص مرة واحدة وللأبد من الجهل والزيف والفشل والاستعباد والاذلال وتزييف التاريخ والعجز عن الفعل، بكل السوداوية والكابوسية الممكنة، عبر سردٍ جُوّاني مُقبض وقاسٍ وعنيف يستخدم لغة خشنة لا تتردد في السقوط في البذاءة

اليوم، الثامن من مايو، في ذكرى لحظة الخفة التي تكاد لا تحتمل، اللحظة التي بدا فيها التغيير لنا، و لأجيال آبائنا، وكما سيبدو لأجيال أبنائنا حلماً حقيقياً واقعياً مطلقاً يافعاً شرساً وجميلاً، ومشجعاً على ارتكاب العنف المجاني وتمزيق القيود والتقاليد وكسر أنف السلطة، اللحظة التي كان الكل فيها على استعداد للمقامرة بوجودهم ذاته قبل أن يضربهم”الواقع” الثقيل بصلفه البارد، أتأمل الصور، وأفكر، فيما كان من الممكن أن يكون، لو استمرت لحظة التحليق التى لا تحتملُ هذه إلى الأبد، بغير أنْ يُكبلنا الثقل “الذي ليس منه بد”. النهاية

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s