فراغ

اختفى عضوي الأنثوي.. اختفى.. صحوتُ من نومي ذات صباح فلم أجده.. استغربت كثيرًا.. و بحثتُ في الفراش العريض فلم أجده.. بحثت تحت الفراش و في كل مكان في الغرفة فلم أجده أيضًا . شعرتُ بالكثير من الحيرة و القلق و شككتُ أني أهلوس. هل سقط منى مثلاً في الليلة السابقة في المرحاض؟ ربما؛ فقد كنتُ ثملةً تمامًا لكني كنت واعية لجسدي و لا أذكر كيف اختفى. أنا أحملُ عضوي الأنثوي دائمًا بين سيقاني منذُ ولدت و من العبث أن ينفصل عني. الغريب أني لستُ أشعرُ بأيّ ألم من أيّ طراز. لايوجد نزيفٌ أيضًا. تحسستُ الفراغ بين فخذيّ وشعرت بالغربة. أين عضوي الأنثوي؟ لقد اختفي بكل معالمه وتفاصيله: الشفرين الكبيرين والصغيرين؛ المهبل والرّحم والمبيضين؛ كل هذا لم يعد موجوداً. تساءلتُ في هلع هل هذه مقدّمة لأن أختفي أنا كليّةً؟! تحسستُ بقية جسدي لأتأكّد أنّه مازال موجودًا. نعم نهداي مازالا في مكانهما؛ و بطني و ردفاي و أطرافي؛ كل شيء آخر مازال بمكانه
.
.
عندما عاد زوجي من السّفر قلت له إن عضوي اختفى. ضحك وظن أنني أهذر، حين رفعت له تنّورتي انعقد لسانه مذهولاً. صمت ولم يجد ما يقوله. ليلتها حاولنا ممارسة الجنس لكني لم أشعر بشيء وهو نفسه قال إنه يضاجع الفراغ. في الصّباح التالي زرت أمّي وأخبرتها. أنا لا أتحدث مطلقاً مع أمّي في المسائل الجنسيّة كما تفعل بقيّة النساء، أعرفُ أنها لا تحب زوجي الذي تزوّجته رغماً عن أنف الجميع. نصحتني بزيارة الطبيب ببرود. ذهبت إلى الطبيب وفحصني فاستغرب ونظر إلى وجهي صامتًا. قال أنها حالة نادرة لم يرها قطّ. سألني أسئلة كثيرة، وعندما لاحظ أنّي على شفا الانهيار العصبي بالرغم من تماسكي الظاهري؛ أعطاني رقم طبيب نفساني ورجاني أن أذهب إليه. أنا امرأةٌ قوية لا أومن بالفضفضة والتدلل بالآلام والتعري أمام الطبيب النفساني كي يربت على كتفي، ويشعرني أنّ آلامي التافهة محور اهتمام العالم. تجاهلتُ المسألة وقررت التأقلم مع الوضع الجديد
.
.
بعد بضعة أسابيع بدأت أتكيف على غياب عضوي الأنثوي. مع غياب العظم والأنسجة والعضلات والفراغ العجيب في حوضي أصبحتُ قادرةً على عمل حركات بهلوانية بسيقان تنفرجان بما يفوق المائتي درجة. أعجبتني اللعبة الجديدة فصرت أقضي الساعات أقوم بحركات بهلوانية أمام المرآة وأنا أضحك كمخبولة. أصبحت مرنة كدمية من المطاط ولكن بلا حياة، كالدّمية. جاءت الدورة الشهرية في موعدها أيضًا، وحين وجدت صعوبة في تثبيت الفوطة الصّحية في مكانها السابق؛ شعرتُ بضيق شديد لاضطراري أن أستحم كل ساعة تقريباً. ثم لمع في رأسي سؤال: من أين يأتي الدم وأنا بلا رحم ولا مبايض؟ كففتُ عن التساؤل؛ لكني عانيت صراعا عقليّاً من نوع آخر. لقد كنت طوال عمري امرأة عقلانية تماماً لم أعترف إلا بالماديّات، لكن غياب عضوي الأنثوي بهذه الصورة المفجعة هزّني من الأعماق. كيف أستطيع أن أفسّر مسألة ميتافيزيقية كهذه؟ بدت المسألة غير منطقية على الإطلاق. انفتح الباب في عقلي بتأثير عاصفة من التساؤلات المزعجة التي ظننت أني لن أسألها لنفسي ثانيةً. تساءلت من أخذ عضوي؟ هل هي الأرواح الشريرة؟ أهي الأشباح؟ هل هو الله؟ هل هو عقاب من هذا الرب على ذنب اقترفته وأنا لا أدري؟ إن ظهور شبح أو حدوث معجزة لإنسان مؤمن لن يزعجه على الإطلاق، هذا المؤمن بحكم إيمانه بالغيبيّات يتصوّر الوجود تصوّراً خرافياً يتحكمُ في مادياته إلهٌ خفيٌّ غامض يسكنُ السّماء، إنه يؤمن بالرّوح والبعث والملائكة والشياطين والجنة والجحيم، فلن يصدمه ظهور شبح أو جنّي أو حدوث معجزة، ولعلّه سيكتفي مذعوراً بالتعوّذ وبترديد بعض الآيات. أمّا أنا التي درست الوجود على أساس المنطق العقلي، فإن ظهور شبح لي سيكون حدثًا مخيفًأ مرعبًا، كفيلًا بأن يفقدني صوابي على الفور، سأجنّ و أنا أحاول تفسير منطقيّة وجود الجنّي أو ميكانيكيّة عمل المعجزة. كيف أفسر ماوراء المادة إذا كنت لاأعترف بالماورائيات من الأساس؟! كدت أجنّ. إيماني بعقلي وارتكازي عليه بدأ يهتزّ بعنف
.
.
لا أخفي أنّي بدأت أفتقد عضوي الأنثوي بشدة. أفتقد وجوده الرّطب وعبيره المميز. أفتقد حلاقته كل صباح والعناية به بحنان و تنظيفه و دهنه بالكريم المرطب. أحيانا أفتقد شعيراته الفاتحة الخفيفة الشقراء كزغب الكناريا الناعم. استتبع ذلك أنّي فقدت الرّغبة في ممارسة الحب . لقد ماتت رغبتي الجنسية ولم أعد أفكر في الجنس نهائيّا، وفترت علاقتي بزوجي تماماً. بدأت أشم رائحة الأخريات عليه. لن ألومه. بالأصل لم أعد أبالي. هل لم أعد أحبه؟ ربما. قد يسافر في سفريّات عمل طويلة متواصلة دون أن أفتقده. ثم لم نعد نتكلّم وقد نقضي الساعات صامتين كالأسماك، وكل منّا منهمك في كتاب يقرؤه أو يتصفّح الإنترنيت. أصبحتُ أضيق بوجوده حولي وأرتاح نفسيّاً حين يسافر في رحلة عمل طويلة من رحلاته التي لا تنتهي. وجودي في المنزل وحدي صار ألطفُ وقعاً على نفسي، أدخّن بهدوء واحتسي كأساً من الويسكي وأنا أقرأ أو أرسم أو أستمع إلى الموسيقى
.
.
أنا الآن ثملة تماماً وأنقر بصعوبة على لوحة المفاتيح. ذهبتُ صباح أمس الأحد إلى المقبرة لكي أزور قبر الطفل الذي أجهضته منذ زمن. نعم؛ ابتعتُ له مقبرة وأمرتُ بصنعِ شاهدَ قبر كبير وجميل له من الرّخام، قبل أن أدخل إلى المستشفى لأجهضه بضغط من زوجي، الذي ما فتئَ يردّدُ أن الوقت ليس ملائما لطفل بعد. أنا لمْ أطلب من النحَّات صانع الرّخام أن يحفرَ رسوم الملائكة الأطفال على شاهدِ القبر، لكنه حين عرف أن القبر لطفل حفر عليه هذه الرسومات من تلقاء نفسه، فلما ذهبت لاستلامه ورأيت أحافير الملائكة الأطفال عليه لم أعترض لضيق الوقت. بالأمس عندما قلت لزوجي تعال معي لم يبدِ اهتمامًا وبدا مستسخفًا لفكرة زيارة القبر مطالبًا إيّاي بالمضيّ قُدُمًا والنسيان. حقدتُ عليه وبدا لي وغدًا قبيحًا بشعًا جدًا. ذهبتُ وحدي. القبور حولي تعج بزوّار صموتين دامعين. لماذا نذهب لزيارة موتانا صباح الأحد غالبًا؟ وفي مشهد كليشيهي مبتذل الكلُّ كان يصلّي ويدعو للميّت بالرّحمة. على كلّ حال يبدو أن الجميع يخشون الموت إلاي، فقد اختفى عضوي الأنثوي مُخلّفًا وراءهُ فراغًا فيزيائيًا مدويّا، وهذان النهدان لنْ يُفرزا الحليبَ المرّ، أبدا.

 

L'Origin du Monde

L’Origin du Monde

اللوحة بعنوان “أصل العالم” للفنان الفرنسي جوستاف كوربيه
التفاصيل حول هذه اللوحة تجدها هنا

رسمت هذه اللوحة عام 1866 حين كانت القيم الأخلاقية المرتبطة بالفن التشكيلي لا تزال محل تساؤل وجدل، تعرض الفنان كوربيه لمطاردة الشرطة الفرنسية ولإغلاق معارضه لتمرّده في لوحاته على المدارس الكلاسيكية و”الأخلاق العامة” ، وتم تهريب اللوحة سرا بإخفائها تحت لوحة أخرى، ثم تنقلت بين يديّ الملاك الأصليين لها ولم يتم الكشف عنها إلا منذ وقت قريب جداً. اليوم فإن اللوحة ما زالت تحمل وقاحة الطّرح وقوّة الصّدمة

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s