A Tribute To The Loneliest Whale In The Word

 

The Lonliest Whale in The World

 

(1)
آمنت طيلة عمري العقليّ عن يقين تام بنظريّة الانفجار الكبير. تموتُ النجوم كل يومٍ ألف مرّة، وتولد آلاف غيرها منذ لحظة الانفجار الكبير. على حافة الكون في طريق الشمال الغربيّ، يوجد موضعٌ ما، رائحته زكيّة عطرة قادمة من لا مكان، في تلك البقعة من الكون بالذات يتفجّر نهر تتساقط فيه كل النّجوم والشهب التي تموت. في ذاكرتي نقاطٌ مضيئةٌ لمساري في هذه الحياة، نجوم في كوني الداخلي ولدت منذ زمن ليس ببعيد. لكم أعجب لهذه التي يدعونها بالذّاكرة! إنها لا تفتأ تثير دهشتي عن وعيي وماضيّ، وحاضري ومستقبلي. الإنسان كائن انتقائي بطبعه يحتفي بكل ذكرى تمثّل لديه قيمة الحب العليا بينما يُسقطُ من وعيه تماماً كل ما لا يمت للحب بأوهى صلة. ذاكرتي عن هذا اليوم صارت شديدة الحدّية، تسترجع بصلابة فولاذية كاملة كل تفصيلة وكل لقطة بصفاء يذهلني أنا شخصيّاً، فأتلذذ باسترجاعها طوال الوقت. الكائنات تتبخر والموجودات تتهاوى وينسلبُ وعيي بالكامل، فلا أعود أتذكّر الآن، وأنا أعتصر ذاكرتي بلا فائدة، من كان موجوداً من الأصدقاء، ولا فيم تحدّثت معهم. فقط أتذكّر بعمق وبتأن شديد أوَل مرة التقينا، كما يتلذذ صانع الخمر الذّواقة بطعم النبيذ المعتق المصنوع في أحد أعوام محصول ممتاز. شخصٌ واحدٌ جالسٌ بين الناس، أراه بوضوح بينما سقط كل شيء وكل شخصٍ عداه في ركن مظلم من الذاكرة ملئ بالرّكام. وجوهٌ وثرثراتٌ وضحكات طلية وأنت، ولا شيء سواك

في العام ٢٠٠٤ نشرت جريدة نيويورك تايمز مقالا عن الحوت الأشد وحدة في العالم، رصدته غواصة تابعة لسلاح المارينز وتبعته لسنوات، على عكس بقية الحيتان، كان يهيم وحدهُ في المحيط بلا عائلة ولا أصدقاء، لا ينتمي لأي مجموعة أو شلة أو عُصْبة، ليس لديه حبيبة، ولم يحظ بواحدة من قبل، أغانيه تخرج متقطعةً في بضع نداءات قصيرة تدوم لبضعِ ثوان، لكن صوتهُ كان نادراً على غير المألوف، فبينما تتراوحُ الذبذبات الصوتية لفصيلته بين ١٢ إلى ٢٥ هرتز، كان هو يغني بذبذبات صوتية تصل إلى ٥٢ هرتز. وهناك يكمن عمق المأساة، فلا أحد يسمع غنائه. كل محاولاته البائسة للتواصل كانت تنتهي بالفشل، كل نداءاته اليائسة للتفاهم كانت تقابل بالتجاهل، ومع كل نغمةٍ وحيدةٍ يُطلقها، كان شعوره باليأس والإحباط يتعاظم، ويتعمق شعوره بالحزن والعدمية كلما مرت عليه السنين.

(2)
في مكانٍ ما بين أحشاء المحيط الهادي يقع مركز الزلزال. في زمانٍ ما بين الشتاء والربيع تقعُ لحظة الانفجار الكبير خاصتي. كتلةٌ من المادة شديدة الكثافة تتفاعل تحت الضغط الهائل والحرارة، تنفجر في أعماق روحي. في تلك اللحظة التاريخيّة بدأت رحلتي لخلق هذا الكون كله في ستة أيام. إنّ يومي بألفِ سنةٍ مما تعدون فلا تتعبوا أنفسكم بالحساب. فلتهنأ بزجاجة الجعة المنعشة التي تحسوها بثقة في وضعيّة غير الآبهين. كأني ركبت آلة زمن في رحلةٍ ما كانت على البال ولا على الخاطر. لم أكن يومها أدري أني أسيرُ نحو مصيري، وأن خطوةً واحدةً صغيرةً قطعتها عابرة ً بين ضلفتي باب ستتكفّل بنقلي إلى عالمٍ مواز، هو هو ذات العالم الذي أعيش فيه لكنه أرحب وقد اتسعت زواياه وازدادت أبعاده، فيلم ٌ سينمائيُ صامت بالأبيض والأسود قد اقتحمته على حين غرّة ممثّلة هيبيّة ملوّنة بالأحمر والأصفر تحملُ طبولاً إفريقيّة. حينئذٍ عرفت أنّي كنت مصابة بعمى الألوان فيما مضى من عمري، وأنّي لم أكن أحيا من قبل. كنت أروح وأجيء و أنام وأصحو وآكل وأشرب، ولكنني لم أكن أحيا؛ لم أكن أعرف ما هو الحبّ. ليلتئذٍ عرفت لم ولدت في يونيو، ولم لم أمت صغيرة حين وقعت على رأسي، ولم تنقّلت بين القاهرة والإسكندريّة، ولم عرفت كلّ هؤلاء الأصدقاء. آمنت أنّ كل أقصوصة كتبتها، وكل صديقة خذلتني، وكل فتىً هجرني أو هجرته، وكل حلم حلمته، وكل طريق قطعته سيراً على الأقدام، وكل ما مضى من حياتي كان تمهيداً لبشارة الحب، بلى .. أبشري بغلام اسمه يحي لم نجعل له من قبل سميّاً، قد انشقت عنه بطن الآمال.

(3)
كنت أعاني من آلام شديدة في روحي لم أجد لها علاجا، كآلام معصمي الأيمن المجهد بالرّسم والكتابة، فقالوا لي :”لا حلّ لك إلا بالذهاب إلى النطاسي الكبير”، كنت أسمعُ عنك من بعيد، وأراك على الشاشة الصغيرة، وأقرأ لك. كنتَ ملء السّمع والبصر، وكنت في تلك الليلة بالذّات قريباً للغاية وبعيداً في الوقت ذاته. تسرّب حبّك إلى وعيي ببساطة حلوة كبساطة القبلة الأولى، و كم عجبتُ فيما بعد كيف مضى كلّ شيء في طريق هذا الحبّ العجيب. لطالما كنتُ مولعة بالحبّ المستحيل. لست أدري متى ولا كيف أحببتك هذا حق، ولكني أوقنُ في أعماقي أني أحببتك لأنّك مستحيل. جذورك ضاربةٌ في أعماق روحي وأحشائي دون أن أشعر منذ زمنٍ طويل، وإذا بي أفاجأ بها وقد نمت وتفرّعت شجرة وارفة، طارحة لذيذ التُفاح، تفاحٌ أشتهيهِ وإن كان محرّماً، أتناوله بتلذذ وأنتشي مع كل قضمة، ناضجٌ مضمخُ بالعصير، ثم سأسأل الآلهة المغفرة فيما بعد. قد ألقاك فأتجاهلك في المجتمعات عن عمد، وأتعمّد ألّا تلتقي عينانا، اختبئ تحت قبعةٍ عريضة أو خلف نظارة شمسية، أتذرع بالكلام مع آخرين؛ بينما يستولى حضورك الطاغي الأخّاذ على كافة حواسي ووعيي، يشدّني أينما تحرّكت، يجذبني بعنف كما ينجذب المسمار نحو قطب المغناطيس؛ كالشمس الساطعة ننعم بدفئها المدغدغ وأشعّتها الباهرة ثم لا نجسر على التحديق فيها؛ فأهمس ضارعة :”الرّحمة. الرّحمة”. وعيي كلّه وإدراكي كافةً في حضرتك متجه لا إراديّا إليك كعقرب البوصلة المتّجه أبداً إلى الشمال.

(4)
ُلشدّ ما عجبتُ من رحلة الطريق الطويلة التي تعثرت فيها بالكثيرين، دون أن يخلّفَ أيّ منهم في روحي نصف أثرك العميق، أجهدُ بصعوبة ذاكرتي وأعتصرها لأستدعي وجوهاً باهتة غارقة في الضباب لأشخاص جاءوا ورحلوا دون أن يترك أيّهم أثراً يذكر، فضاعت ملامحهم بين طبقاتِ الضّبابِ الكثيف. مع هذا البوهيمي أستغرب نفسي، تتألّق عبقريته الفذة ليذهلني، ويجعلني في حيرة من أمري. أتجوّل بشغف في فنّه، أتنقّل بين إبداعه وفكّي السّفلي ساقطٌ من فرط الذّهول. وهو في بوهيميته وحشيّ، فظ، قاس، لا يبالي بالقوانين، حتى حاجبيه الكثين تنضحان وحشية، ولكن وحشيّته هذه تريقُ عليه جاذبيّة إضافيّة، ولا يعنيه إلا بهجة اللّحظة كطفلٍ صغير، أخلاقه الوحشية تعجبني وتروق لي، ومنها عرفت أنّه لا يكذب ولا يمثّل، وأنّه صادق . أفٌ لهم جميعاً كل هؤلاء الحمقى! سئمت الرّجل الناعم الذي يلعب دور فتى المدينة المدلل، حليق الذقن مصفف الشعر، من ذلك الطراز الذي يهمس بالأكاذيب برقة تمثيلية طوال الوقت في نعومة الأفعى. أنا بحاجة لرجلٍ فظ همجيّ أشعث، يرتدي تنورة من الفراء، يمسك بيمناه هراوة، بينما يقبض بيسراه على شعري الطويل ليجرجرني منه على الأرض.

 

بيني وبينك موعدٌ موجلُ على فنجان قهوة.

إذن فهذا هو! مالى؟ ماذا حلّ بي؟ مرتبكةٌ أنا كفتاة في الخامسة عشرة تجرّب طلاء الشفاه لأوّل مرّة. تلتقي عيني بعينيه فتهزّني رعشة غريبة. أشعر بالخوف، عينان ثاقبتان، وقحتان، ولكنهما لا تخلوان من جاذبيّة، يظللهما حاجبان كثان مقرونان، منبسطان على جبين عال فسيح، أفسح من الحياة. ما شعرتُ بالخوف من أحدهم منذ زمن طويل وهي لعمري إشارة مرعبة. أنادي من أعماقي كل ما أمتلك من هدوء وثقة وأنا أتحدّث معه، لئلا يبدو على ملامح وجهي ونبرات صوتي ما يعتمل في أعماقي من اضطراب شديد، أجتهد كيلا يبدو على مظهري الواثق أي أثر لما تركه حضوره الطّاغي الجذاب في روحي وابتسامته الحلوة وهو ينصت مصغيا. كم بدا هادئاً وناعماً يومها، لم أعد أبذل مجهوداً قط كي أستعيد الذكرى، ففي قلبي العاشق آلة تصوير سينمائيّة تسجّل معك كلّ خاطرة وكلّ لمحة وكلّ مشهد. أنت لست من هذا العالم.. رقيق كبلّورة ثلج، أبيض كجبال الألب، عذب الكلام كشاعر، أنيقٌ كمصمم أزياء. ملامحك الجميلة تجعلني أهدأ وأحيا في عالم راق من الصّمت الداخلي والحوار الباطنيّ، وابتسامتك تشع نوراً يغشى الأبصار. لم ألتق في حياتي قط بفتى يضحك هذه الضحكات المجلجلة الكفيلة بابتلاعي. زدني زدني من ضحكاتك ودعني أغرق أكثر في ابتسامتك.

بهجتي الوليدة تجرجر وراءها سحابة من الخوف والقلق، كقطعة من الثلج أنت أخشى أن أمسكها في يدي لئلا تذوب بحرارة أصابعي، وستختفي قريباً فالصّيف قادم. حالمٌ كالضباب أنت، وكالضباب تختفي مع أوّل شعاع للشمس. كقوسِ قزح ألوانٌ من وهم يظهر كالحلم عند سفوح الشلالات صباحا ثم يختفي عند العصر، إن هي إلا أشهر قليلة حتى ترحل عن القاهرة لشهور أخرى طويلة، في حلمي العجيب بقصة الحب هذه التي ستدوم لشهر واحد. ما معنى أن أظل عمري في سفرٍ دائم وأن تظل عمرك في سفرٍ متواصل ثم نلتقي، فيقدر لكل منّا أن يكون وطن الآخر ومأواه؟ أنا أدرى منك وأخبَر بمذاق الغربة وطعم السّفر، كالفلفل الأحمر قليله لذيذ وكثيره يلهب الشفاه والحلوق. مهما كنت ذاهباً فأنت باقٍ وأينما ترحل فخذني معك. لا تتركني وحدي يا حبيبي أرجوك فأنت بالنسبة لى كل العالم وكل الناس. لا قيمة لدنيا أو وطن بدونك، حيثما أنت تكون فوطني هو رقعة الأرض الصّغيرة التي تقف عليها بقدميك الجميلتين. مستعدّة أن أنبذ كلّ شيء وأذهب إلى أي مكان في العالم بصحبتك، والهرب معك إلى القطب الشمالي ليس جنوناً على الإطلاق، إنه العقل بعينه.

(5)

معك عرفتُ كيف يكون الفراق مؤلماً ومنه عرفت معني الموت. وطّدت نفسي على فراقك قبل أن أسمح لنفسي بالوقوع في حبّك. إن لفظتى “أحبّك” و”الوداع” مترادفتان في حبي لك منسجمتان. متى بدأ كل ذلك؟ سحر التاريخ أن الأوّل من أبريل هو اليوم العالميّ للأكذوبة الكبرى، هل سيعود ذلك اليوم؟ كلا لن يعود ولو أنّ سحر التقويم يوهمك أن كل شيء، بما فيها الذكرى، يعود. ما أجمل أن أبدأ معك في يوم الكذب الرّسمي في هذا العالم، فإن كذبت علىّ كنت صادقاً، وإن صدقت معي كنت كاذباً! اكذب عليّ أحسن الكذب، فآذاني توّاقة إلى الكذب الجميل. أنت يا حبيبي صادقٌ في كذبك البديع، فنانٌ تحسن الكذب الأنيق ولك في الغزل دروبٌ شتى. لا أريد أن أسمع كلاماً مبتذلاً وإيّاك أن تقول لي إلى الأبد فهذه هي الكذبة الحقيقيّة التي لا أحتملها كالنكتة السّمجة التي فقدت بالتكرار كل معنى. فقط أسمعني ما أنا بحاجة إلى سماعه، وأنا محتاجةٌ أيّما احتياج إلى أكاذيبك البارعة، عن الآن وليس عمّا بعد. آه. كم أتمنى لو تظل معي في كلّ ثانية، في كلّ لحظةٍ تبقّت.. تدق السّاعة اللعينة وتنذرني بلحظة الفراق، وتضخّم إحساسي بالعدّ التنازلي.. عشرة.. تسعة.. ثمانية.. سبعة.. ستة.. بعد أن أحببتك زاد شعوري بقيمة اللحظة ومعناها، وعرفت معني الهلع من الفراق الوشيك.

سأحبك غصباً عنك، وستحبني شئت أم أبيت، وسأغازلك طوال الوقت بالقوّة، فلا تظن نفسك بارعاً جداً أمامي، أنا أجيد ترويض حصانك الحرون، بالسّكر والحلوى مرّة وبالقبض بقوة على اللجام مرّات حتى يخضع الجواد ويلين ويكف عن الحمحمة والصهيل. قبيل رحلتي إلى السماوات العلا شرعتُ أروّض البراق قبل أن أمتطيه. الجنون كلّه والعذاب كلّه أن أحبّك وحدي فلن أرضى بأقلّ من أن تتعذّب عذابي، الغزل بالقوة فن لا تعرفه قط يا مليكي المولع بالرّفاهة والفخامة، المعتصم بأعمدة قصرك المشيّد على الطراز الفيكتوري، المثقل بقيود البروتوكولات، وقد احتجبت بالسُحب واعتصمت بالشهب. ستخرج من قصرك العاجي لتتمشى معي حافياً في الغابة القريبة، حيث نسبح في النهر عاريين إلا من البهجة الخالصة، وحين يجنّ الليل نوقد نارا نشوي عليها أرنباً اصطدناه أو غزالا. على حافة الماء نمارس الحبّ، و بين أوراق الأشجار والحشائش الناعمة العطرة نستلقي، هات أذنك الشفافة كي أهمس فيها بكلمات تخرج منصهرة لتوّها كالحمم من بركان القلب المشتعل بالعاطفة، أتمتم بالحبّ لك بكلمات ما كانت لتخطر على خيالك، وأعدك ألّن يمضي وقت طويل حتى تحبني كما أحبك.

(6)

أجل ستحبني.. وستقع في غرامي وترى العالم كله من خلالي.. ستسير في الشوارع وتذهب إلى الأماكن فتبحث عنّي بين الحشود، وترى الناس جميعاً أنا.. ستتدلّه في هواي ولن يكون بمقدورك الاستغناء عني.. ستحب وجودك معي، ستحب كلامك معي، وسترى أنّي سأجعلك مجذوبي.. تتحول همساتي إلى غمغمة، فهتاف، فصياحٌ في صراخ، أحبك، وسأظل أصرخ بها مهما سددت أذنيك وتصاممت عن صراخي، إنك منذ أشهر لم تكن تراني، واليوم أنت تتمناني، وغداً سترغب في أن تظلّ معي حتى الموت، إن الغرام نارٌ تستشري، ولا يسلم من لهيبها أي شيء في محيطها، والحبّ مرضٌ معدٍ، لن تلبث إلّا قليلاً حتى تنهار في فراشي محموماً تهذي بكلمات الحبّ لي.

سأكون أنا عالمك وناسك وأشياءك الجميلة، سأكون أنا قلمك وحبرك وأوراقك وأفكارك، أنا القصّة التي مهما كتبت فيها من فصول فلن تنتهي، معي ستختبر كل الألوان السّاخنِ منها قبل البارد.. ستكون ناسكاً في معبدي.. وسكيراً في حانتي.. وعربيداً في ملهاي.. وراقصاً في مسرحي.. سأكون أنا ثيابك وغطائك ووسادتك وقبّعتك و شفرتك.. أنا قهوتك الشهيّة، وخبزك الطازج، وعسلك الملكي.. أنا الوحيدة التي تحبك في هذا العالم الموحش حبّاً حقيقيًاً لم ولن تصادف مثله في حياتك أبداً، أنا الوحيدة التي تراك كاملاً مكتملا تحمل نفحة من الآلهة، فيك تسلّط زيوس، و جمال أبوللو، وسذاجة كيوبيد، وثورة مارس وعمق بوسايدون. مباهج إلهيّة تنتظرني بصحبتك، تجعلني على أهبّة الاستعداد لأن أقتل في الطريق إلى قدميك الغضتين، فقط كي أستمتع بغسلهما بالعطور وأجففهما بشعري الطويل، وإن جاء الموت بعد ذلك فمرحباً به، أموت راضية. أيّها الفارس الجميل، أيّها القط الأبيض الشيرازي المتكبّر، أيّها الليث الغضنفر السّاخط على حبسه، بحوزتي مفتاح قفصك وأعدك أن أطلقك قريبا في الغابة، ولسوف تخرّ راكعاً تحت أقدامي تستجديني أن أبقى، فأنا مدرّبك ومروّضك، ولى أنا وحدي ستكون الكلمة العليا.

(7)

دعني أتغلّب على الخجل معك.. خذ بيدي أكتشف معك برفق عالم الرّجل.. علّمني كيف يكون الرّجل، فأنا لم ألتق من قبل قطّ بمثلك، ولم أتعثر فيما مضى من حياتي إلا في أشباه الرّجال ولا رجال. أنت الرّجل الوحيد في هذا العالم، لم أعد أرى سواك، وبعدك تحول الرّجال الآخرون إلى مجرد أشباح لم يعد لها في وعيي صدى، كائنات أراها ولا أراها، أنت الرّجل الوحيد في عينيّ لست أرى إلاك، أسير في الشوارع وأذهب إلى المقاهي فأرى الناس جميعاً أنت. حتى تراب رجليك مذهّب معطّر، وكلّ شيء تلمسه يتحوّل إلى فضّة.
آه يا روحي! من المفجع أن أقع في غرام رجل لديه كلّ هؤلاء المعجبات! شيء مخيف أن أرى الكثيرات يفتعلن مواقف للتقرّب منك، تذيبهن فنونك، يتعمّدن لفت انتباهك، وأنت تجاملهن بلطيف الكلام فيثملن بالأماني والأحلام، وفي أعماقك لا تبالي بهنّ جميعا. ضاع عمري وأنا أحلم بك واليوم فإن الحلم يتحقق أخيراً، سأعوّض كل ما فاتني معك، وسأنهي إلى الأبد ذكرى التحسّر عليك وأنت بعيد. لن أقف لأتفرّج عليك في صمت وعذاب كما كنت أفعل في الماضي وأنتظر في سلبيّة أن تأتي.. كلا.. سأمدّ يدي وأخطفك، وأنتزعك من بين براثن الأيام والنساء الأخريات.

(8)

إنّي أرى وجهك الجميل في دخّان السيجارة، وقشدة القهوة، وزبد كوب الجعة البارد، وموج البحر الهائج، والألوان والفرش واللوحات، يتقاطع وجودك مع عالمي في كلّ النقاط على كل المستويات في الفراغ، فأنت موجودٌ في كل ذرّة من هواء غرفتي، في عطوري وملابسي، في أقلام الكحل، في حلمة كلّ نهد، وكلّ انفراجة شفاه. طغى إحساسي بك على إحساسي بالأشياء، فأصبحت أتحسّس الأشياء أحسبها أنت، أستخبرها عن ملمس جلدك الحقيقي، أستجديها النطق كي أسمع صوتك القوي العميق العذب في آن، صوتك الذي لا أدري كيف أصفه، مثل فا السّلم الموسيقي، لا رفيع النبرة ولا غليظها، يهزّني من أعماق الأعماق، يسحب روحي برفق إلى أثير برزخ مابين الوعي والخبال، يذيب الأعصاب كحمض مركّز. آه لو أعرف ملمس وجنتيك! لو أعرف طعم شفتيك! لو تقترب مني أكثر كي أملأ أنفاسي بعطرك! لو أغطسُ بينَ ذراعيك وأضيعُ للأبد بين ساقيك! تعال وسأجعلك أنت أيضاً تضيعُ بين هاتين السّاقين الناعمتين، أوَتدري لمه؟! لأنّ تلك الشعيرات الشقراء النابتة بينهما تتخذ شكل مثلّث، أسمّيه مثلث برمودا، حيث تختفي الطائرات والسّفن العملاقة، وتضيع جموع من الناس لسببٍ غامض. هذا الغموض سنسبره سويّاً، وستدخل إلى عالمٍ آخر من خلاله ، وتخرج منه مختلفاً عمّا دخلت، تشهق وتزفر في عنف، تصرخ كأنك ولدت من جديد، تلفظ متألّماً آخر قطرات السّائل الأمينوسي الدافئ، تستقبل رئتاك أوّل شهقة للحياة، يمسكونك من رجليك مقلوباً، مرحباً بك في دنياك الجديدة، اختاري له اسماً يا مدام. تستلقي بين أحضاني باكياً مخضّباً بالدّماء، ابني البكر ها قد خرجت إلى العالم الشرّير.

سأكون أمّك وسأتلقفك في حضني، فأنت يا حبيبي؛ حبيبي وابني. مهما أخطأت فلن أراك مذنباً، أنت برئٌ دوماً في نظري، والعالم هو تلك الغابةُ المتوحشةُ الواقعةُ خلف جدران غرفتي، هم المذنبون وأنت البريء، وخطؤك دوماً هو خطأ شخصٍ آخر. في عالم أمومتي لا عقاب ولا حساب ولا زجر ولا تقطيب، بل حلوى لذيذة و هدهدات وأهازيج ما قبل النوم و تدليل في فراش وثير على كتفٍ غير مثقل بالمسئوليّات. ألقمكَ صدري أيها الطفل الباكي الجائع حتى يشتدٌ عودك وتنبت أسنانك اللبنيّة فتعضني وتؤلمني ثم أسامحك. أنضو عنك ثيابك وأحمّمك في مغطس الماء الدافئ حتى أتيقن من تعميدك على ديانتي، أصبّه عليك من إناء سحري لا ينضب منه الماء أبدا،ً أرويك به حتى تتبلل وترتوي، ولن تكتفي. أجفف لك جسدك العاجي الأملس، وأعيد وضع ثيابك الحريرية عليك، وآمرك أن تتناول طعام الإفطار. سأطلق عليك اسما جديدا أنا وحدي التي تناديك به، لن يطيب لك طعام إلا على مائدتي، ولن يحلو لك الشراب إلا بصحبتي، ولن يهنأ لك نوم إلا على وسادتي، فما بين الليل والنهار إلا هذه الساعات القليلة من السّعادة التي يستلقي فيها كلانا بين أحضان الآخر.

(9)

حين يضيق بي هذا العالم، حين أرغب في الهروب إلى سمائي السّابعة، حين أهفو للاستغراق في ذكرى جميلة وإحساسٍ حميم، أغمض عينيّ برفق شديد، وأهمس لنفسي باسمك الحبيب.. فأهدأ، وأستردّ نفسي، وأعود إلى الواقع بقلبٍ جديد، ونفسٍ ثابتة أواجه بها الصّعاب، أواجه القبح والغباء والطّمع والسّوقيّة والزحام والسّخافة و الابتذال، وخيانة الأصدقاء، أمشي في الطريق أودّ لو أحتضن كل شجرة، وأقبّل كلّ طفلٍ صغير، وأحسن إلى كل مسكين وشحاذ، أصرخ في البشر اللاهين أيّها الناس حبّوا أو موتوا، تتحدّثون عن الحب ليل نهار دون أن يفقه أيّكم معناه، تعالوا عندي أعلّمكم كيف يكون الحب ولنبدأ معاً بمفتاح الصول. تعالين عندي يا بنات وتعلّمن كيف تغرقن في الحبّ، وكيف تتلقين القبلات، وكيف ترين الحبيب محور الكون.

تنعقد في حروف اسمك كل آمالي وأحلامي، وفي عالمك أجد ذاتي كما أرسمها لنفسي، وكما أريد أن أكون وكما أنا عليه في الحقيقة، كل ما تأتيه من كلماتٍ وأفعالٍ إشاراتٌ إلهيّة تسهم في تشكيل مفردات عالمي الباطني، كأن حبنا لفظة “كن” تنطقها فأكون، يتحققُ بها وجودي بعد عدم، كنت قبلك كالتوال الأبيض وبعدك أنا عمل فني متكامل، كل ضربة فرشاة به تحمل معنى تجريديّاً أعمق من أن يوصف، لا ينبغي أن يوصف، الكلمات عنه قاصرة والمفردات أمامه عاجزةٌ صرعى.

لست أدري إلى أين أنا ذاهبة معك، في الحقيقة لست أريد أن أدري، فشعوري نحوك يكفيني ويملأني، لست أرغب بعقلي في أن أسبق الأحداث وأبني الآمال العراض معك، فكل العالم يهون مادمنا معاً، مادام حبل الوصال بيننا لم ينقطع. لم أسأل نفسي معك :”وماذا بعد؟” فهناك أشياءٌ في هذه الحياة العجيبة ليس بعدها بعد، إنها حلوةٌ غنيّة كما هي دون أن يكون وراءها وراء. الحياة نفسها حلوة لا يفسدها على البشر إلا طمعهم في الجنة أو خوفهم من الجحيم، الحياة جميلة خلقت لنا كي نحياها ونستمتع بها ولكننا سممناها بالكثير من التردد والكثير من التساؤلات الحمقاء، فتخبّطت تصرفاتنا وضاعت منا الفرص الذهبية في الحب والسّعادة إلى الأبد. ستحيا معي في قلب الظلام بنورك الذاتي، وسألقي معك كلام الناس خلف ظهري. أنا فخورة بحبّك حقاً، ويوم يسألوني عن التفاصيل أقول إني لا أبالي، لو كنت هندياً أحمر او من أهل الإسكيمو أو حتى كنت بلا جنسية وبلا شهادة ميلاد فلست أهتم، المهم أن تكون لي حتى ولو كنت غير محسوب على هذا العالم، فما بالك وأنت من أنت في هذا العالم؟! الناس يتقوّلون علينا ولكني لا أبالي، فهم في معظمهم كذّابون منافقون، كلّ منهم يمشي واضعاً مسطرة الصّح في جيبه، فقط ليقيس عليها أخطاء الآخرين. أنت نقطة النور الوحيدة في عالمي، حين أراك يشرق وجهي، وحين أسمع صوتك عبر أثير الهاتف تومض البسمة على شفتي، تنعكس صورتك الجميلة على قبّة عيني المترقرقة بالدّموع وأنت لا ترى، و عيناي تلمعان، تشعّان بالحب ّ والإخلاص، مخلصةٌ لك أنا، حتى آخر نقطة في دمي؛ حتى آخر خليّة في جسدي، معك أشعر بالأمان، أستمدّ منك صلابة وقوّة فوق صلابتي وقوّتي، فأنت تضيف إلي ولا تسلب مني، معك أنا صلبة وقويّة فوق صلابتي وقوتي، أنا بحاجة إليك لتحميني من كل الشرور في هذا العالم، من كل الحمقى والأنذال والأوغاد، أختبئ هذا المساء كالطفلة الصّغيرة في معطفك أحتمي بك من برد الوحدة، وأهمس في أذنك:”قبّلني.. قبّلني”!ا

 

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s