منطاد زِبْلِن

رأسُه منطادُ ملوَّن”
يُهللُ لهُ الأطفال
يُحرّكهُ الهواءُ السَّاخن
يثقلهُ المطرُ العاصف
“ضربةُ برْقٍ واحدة؛ ويحترق

ما الذي دفعني إلى التورُّط مع شخص مثله؟ لا شيء إلا غباء المثقفين، الذين يتوهمون أن الحياة تدور من خلال رؤوسهم. بدا رأسه في البداية مبهرًا لامعًا مشرقًا، واعدًا بالتسلية والاهتمامات المشتركة، تعلقت به كمن عثر فرِحًا على كنزٍ ثمين. هناك الحب أيضًا. ما أجمل أنْ ألتقي بمثقف كهذا بعد أنْ ضجرت بصحبة الجهَّال من الرجال. ثم فغر فاه فانفتحت بوابات الجحيم وخرجت الشياطينُ والخفافيش.

كان يتحدث طوال الوقت طوال الوقت طوال الوقت عن أفكاره الكبرى ورؤاه الثقافيّة الخطيرة ومشروعاته الفكريّة والذهنيّة العظمى، حتى أثناء الولوج. يترجرج فوقي لاهثًا بينما يهدر بكلام كثير عن قراءاته ومعجباته وكتبه ورواياته. كل فرصة متاحة للكلام يستغلّها ليملأ رأسي بأثقال رأسه. منهكةٌ أنا وأتألّم. لم أفهم في البداية كيف يكونُ بالضبط مضاجعة عنين، ثم أدركت بعد زمن قصير. حضرته يشتتُ تركيزي عن الجنس بالمسائل الفكريّة، ناسيًا أنّا في الفراش؛ لا في مُحاضَرة.

يبولُ ليلاً في فراشه. لم أشعر للحظة نحوه بالاشمئزاز؛ بل العطف الصادق والأمومة بينما أغيّرُ الشراشف في الصباح دامعة العينين من أجله. هذا الفاتن المُصاب بالتبوّل اللا إردايّ يمْعنُ في استعراض جبروته. يتجاهل القصة ولا يتحدث عنها أبدًا مسحولاً بقوّة الإنْكار. سامويل بيكِت شخصيًا يضحك. في كل ليلة كان تمامُ انكسارِه دافعًا للمزيد من الغطرسة والشراسة في إبداء القوّة أمام الناس، يحتقرني بعنف كوني أستيقظُ وتحتي فراش جاف. كان الحبّ حقيقيًا والوجع كذلك، يكلل الاستسلام الذاهل للعطف الأكّال

احتراقُ منطاد زبلن”
سقوط الأسطورة الألمانيّة

 انهيار الرّايخ الثالث

يا من يملأهُ نفخُ الهواءِ عبْرَ جسدهِ المثقوب
إنْ ثقبتُكَ أنا هويتَ مُحترقا
أوْ لو رفضتُ يومًا إمدادَكَ بالإنصاتِ وتغيير الملاءات
كما رفض الأمريكان إمداد الألمان بغاز الهليوم

فهوى منطادُ زبْلن تلتهمُهُ النيران لتسقط معه الأسطورة الآرية
أيها الحبيبُ المنتفخُ بغرامِ الذات

وجودُك كله قابعٌ في رأسك يتغذّى على إنصاتي كطفيل يتغذى على دم عائل

الخدوش بداخلنا وتحت ثيابنا تلك التي لا يراها أحد لا يعني تَخَفّيها أنها ليست موجودة. هي كائنة بقوة الوجود نازفة بعنف ولو في الخفاء. هكذا فكّرتُ وأنا أرنو إلى بقعة كبيرة من البول تسيل من تحته و تفرد محيطها في دائرة كبيرة على ملاءة الفراش وتملأ الهواء برائحة الهزيمة والتحلل؛ بينما هو مستغرقٌ في نوم عميق مفغور الفاه. الهزيمة حتى إن كانت خفيّة تظل موجودة تنخر في الكيان ببطء. حتى إن أفلحَ في إخفاء حقيقة تبوله ليلاً في فراشه كطفل صغير.
غامت عيناي و انطفأتا.
ضجعاتٌ متتالية من الاسوداد المُطلق، خلّفتْ بروحي ثقبًا أسود.

خرج متأنّقًا إلى فلاشات الكاميرات ليجعجع ويملأ فمه بالكلام الكبير. الأفندي مؤمن بالثورة. وقف منتصرًا برمحه المعوجّ يصفق له الجميع و الأميرة الحسناء بجواره. أنا صورته في الجنس وصوتُهُ وصداه، يلوّحٌ بي في كتاباته مشيرًا إلى قضيبه أنْ انظروا لي أنا أضاجع هذه.

لا توجدُ أية ثورةٍ في هذا العالم”

قادرة على جعلِ بشرتك بيضاء

“أو سَكبِ الزُّرقةِ في عينيك

تحدَّثَ مرّة عن مدلول المظّلة لدى فرويد وأنّ فتح المظلة يعني الانتصاب.
يسقط يسقط سيجموند فرويد.

بعد الجنس لم أكن أرغب في أن أتكلّم، بينما ينشط هو كيعسوب سعيد تحت الشمس ويبدأ في إثارة الموضوعات، ثم يقفز منشرحًا بالإلهام ليكتب قصائد وروايات جديدة، وحين يقتله الإنهاك من الكلام ينام. بمرور الزمن لم أعد راغبة في مبادلته الحديث؛ أكتفي بإيماءة وهزّة رأس أو بالتأمين على كلامه لأشتري دماغي. كل ما طمحتُ إليه بعد الجنس هو الصمت. حتى العناق المستسلم للخدر اللذيذ صارَ ترَفًا. كنت أريد أنْ أوليه ردفي وألوذ بالصَّمت كي أفْرَغ لتأمّل خيباتي، لأنْ أُعدّد مراراتي، لأنْ أقيس بدقة كمْ بوصة انحدرت، أنْ أتناول أسبرينة للصداع؛ وأبكي. لكن الحب كان حقيقيًا. كان موجودًا وبقوة، حتى وإن بدا كجنين واعد بالحياة ثم تشوّه. تضيعُ الليالي في محاولات مستميتة مشتركة لإيقاظ قضيبه بانتظار انتصاب كالسراب لا يأتي أبدًا؛ ثم حين تتمُّ معجزته أتنفس الصعداء مستمتعة بالخلاص من ثقل جسده ورائحته. أهييْء نفسي للنوم؛ أو لساعات من تلقّي هذيان الفلاسفة.

بينما استلقيتُ مكفهرة الوجه خاوية النفْس إلى جواره؛ أشيّع قطعة جديدة من الحبّ الذابل مُكفَّنا بملاءة الفراش المبتلة المعبقة بصنن البول؛ خطر لي مشهد البحر في مايوركا ممزوجًا برائحة اليود. تمنيتُ أن أسافر إلى إسـﭙـانيا لمرّة أخيرة قبل أنْ أموت، لا لاستكشافِ الشواطيء كما فعلتُ مراتٍ من قبل لكن لاستكشافِ المجهول. سأقع في حبّ مصارع ثيران وسيم ذي شعر فاحم السواد وحاجبين كثيفين، لا يفقه حرفًا في اللغة العربيّة، تمامًا مثلما لا أفهم الإسـﭙـانيّة. سنتحدّث بجسدينا وسأقول له حُلو الكلام. تمنيتُ رجلاً صموتًا يحنو عليّ ويمنحنى انتصابًا واحدًا سليمًا كل ليلة، وفراشًا جافًا كلّ صباح، حتى وإن كان أقبح من قردٍ وأجهل من دابة. كم أتمنى أن أرحل إلى مايوركا. الآن أفهم لمَ تهرب السيدات المحتشمات الفاضلات مع السائقين والطُّهاه. أنا هنا مُجمَّدة بانتظار فتاي الماتادور الإسـﭙـانيّ الوسيم.

مزاجه الجديد أنْ أمصّ له القضيب. هكذا طوال الوقت بلا نيك، كونه أكسَل وأفشل من أنْ يحسن الولوج. أرحّب؛ على اشمئزازي من عصاه الرخوة بطعمها اللاذع الكريه، فمصُّ القضيب يسدُّ فمي فلا أضطر إلى مجاراته بالرّد على هذيانه الثقافي الهستيري التافه. حاولتُ أن أبدو غير متقززة جدًا وأنا طافحة الكأس يدوّى النداءُ في أعماقي أنِ الفرار يا نفْسْ الفرار. وبينما رحتُ ألعقُ في محاولة أخيرة لإنقاذ رجولته لليلة أخرى من فضيحة جديدة؛ عازمة على أنْ أذهب في الصباح ولا أعود، بدأ فجأة هذيان المثقفين عن لعق القضيب. قال إنَّ أحافير الآركيولوﭼـي ونقوش المعابد عبر آلاف السنين في ثقافات وحضارات كثيرة صوّرت ذلك الفعل باعتباره مسألة طبيعيّة، ثم استرسل بنبرة غريبة سَرَت في صوته أنَّ في المصّ إذلالٌ من الرجل للمرأة ومن الملك للعبد، أو من المفعول به للفاعل بشكل عام. قرعتْ نبرته الغريبة الجديدة أذني؛ تمثلتُ فيها شبح ابتسامةِ تشفّ. سال الكلام على لسانه كأنّه دمٌ تعذَّرَ منعهُ يتفجَّرُ من شريانٍ مقطوع. اغتظت و توقفتُ عن اللعق للرد. رفعتُ رأسي وحملقت في عينيه. غمغمتُ أنّ أحافير ونقوش مماثلة صوَّرت نيك الرجال للرجال، مما يعني بالتبعيّة أن الجنس الشرجي مسألة طبيعية لدى الذكور. نفى بشدّة وقال إنه استثناء و”شذوذ”. إنه يريد هنا أن يقرّر حقيقتين يؤمنُ بهما على تناقضهما: الأولى أنّ مصّ القضيب فعلٌ طبيعي حتميّ يؤكّده التاريخ وعلوم الآنثروبولوﭼــي والسكسولوﭼــي، الثانية أنَّ في هذا الفعل إذلالٌ حتميّ من المفعول به للفاعل. هكذا يريد أن ينتقم لعجزه بإذلالي، أنْ يؤكده فعليًا ولفظيًا بشماتة. فكّرت في غبائه وخَرَقِه. وفي لحظة واحدة تداعت فجأة كلُّ الليالي الطويلة من الظُّلمة والفشل والذبول والمرارات المتراكمة وآلام الجسد والظهر والملاءات المبتلة، سقطتْ فوقي كصخرة غرانيت تفجَّرت بالديناميت. يا أخي طفحتُ منك ورأسِكَ الأسطوريّ الكبير. المصُّ هو “الثقة المُطلقة” نسلّمُ فيهِ طوعًا أرقّ أعضائنا وأشدّها حساسية إلى آخرين نحبّهم ويحبّونا، واثقين أنّهم سيعاملوها بما تستحق من حنان وتدليل ورقة وتكريم. تذكّر في المرَّة القادمة التي تلوّحُ فيها بإذلالي؛ أن تتبصّر قليلاً من منّا الذليل؛ أيُّنا يقف موقف الضعف والمَذلَّة ومن فينا يسيطر في موقف السَّطوة والقوة. تذكَّر؛ أنَّ قضيبكَ الرّخو الرقيق بين أسناني، يرتمي مستسلمًا بين صفّين من القواطع الحادة، يكفي أنْ أُطبِقَ فكَّيّ، عضةٌ واحدة؛ وينتهي كلُّ شيء.

Zeppelins and Hot Air Balloons, ca. 1910s-1930s

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s