تحقق المونوكروم

guernica

يقولُ هنريك إبسن : “الرّجلُ القويّ هو الرّجل الوحيد”. دعني أحدّثكَ قليلاً يا عزيزي عما فكرت فيه عندما رأيتُكَ لأوّل مرة: رأيتُ ذلك الفتى الغض يقع في حب حزمة من المباديْ والمثل العليا، يدافع عنها بروح نمر جريح، يهفو إلى الكمال البعيد عن الواقع، معيناً ذاته بحدة كما يعبرُ عنها في كتاباته وآرائه. حتى في الحب، يصرخ برغبته في الوقوع في حب نموذج الأنثى المكتملة، حتى ولو كان ذلك النوذج خيالياً بعيد المنال، حبه يدلُّ على رغبة محرقة في الوصول إلى الاكتمال، بصرف النظر عن امرأة معينة. رغبة سيزيفيّة تعذبهُ هو شخصياً، تدفعه لأن يُعمل عقلهُ طوال الوقت بشكل كثيف وعنيف وعشوائي محاولاً أن يشكّل عالمه المنهار بجديّة وصرامة. كنت تلتهم ذاتك يا عزيزي، تتوقُ إلى إستعادة حياتك المسلوبة، باحثاً عن إجابات لأسئلة مُلغزة لا نهاية لها، محاولاً تفسير ما حدث، أملاً في الاستكانة إلى عزاءات مختلفة عن ذهاب ماضٍ قريب كنت فيه سعيداً خالي البال

عقلك لم يتحمّل ثقلك. كان تصورك عن الوطن المثالي والمرأة المثالية يشير إلى ذهنية إلهية، إلى مجلس الآلهة القابع فوق جبال الأولمب، أو على أقل تقدير إلى مجتمع اليوتوبيا فوق الأرض، بحثاً عن وطنك الضائع كقارة أطلانطس المفقودة، وكانت هذه علامة على أنك لا تعيش بل تحيا في سجنِ أفكارك، تتقلب في الماضي تتمثل فيه الأمل البعيد أكثر من إحساسك الراهن العنيف بالآني من الزمكان، الذي لم تستطع احتماله طويلاً، فكانت الوحدة التامة المطلقة هي ثمرته النهائية. هكذا نَمَتْ في كهف المونوكروم طحالب سامة من المرارات المتراكمة بين ثنيات روح هائمة يكللها عقل فذ يكاد أن يمس الجنون، كما نبتت أزهار كثيرة من النرجس والفل والقرنفل. كانت العلاقة بيننا أشبه بقبلة طويلة استمرت عدة سنوات بين شخصين أحدهما يغمض عينيه لأنه يفكر في الماضي والآخر يفتحهما عن آخرهما يريد الحاضر ويريد اللحظة والشعورُ بأكملهما حاضرين هنا والآن. الأمر لا يتعلق بفارق في السن أو مسافة في النضج ولكن لأني يوماً ما كنتُ هناك، ولكم شعرتُ بالانزعاج وأنا أراكَ تسير في ذات الطريق الذاهب للماضي بنفس الحذاء، والسيرُ في الحذاء القديم يسبب التواء الكاحل، كدتُ أصرخ بك يوما أني أعرف كل حجر عثرة وكل فخ في الطريق، ثم آثرتُ أن أتركك تكتشف بنفسك، وقد امتلأتُ بيقين المؤمن أنك يوماً ما ستعود كأبطال القصص الإغريقية برأس ميدوسا وقد نجوت بأقل الخسائر الممكنة، باستثناء بعض السحجات البسيطة، وباستثناء اتساخِ الحذاء

لذلك أنـا معجبة بك، ليس فقط لأنك شجاع، ولكن لأنك ما تزالُ حيّاً تريد التعافي من الصدمة، لا تزال تحاول فتح عينيك لاستقبال ضوء الشمس بعد زمن العتمة، لتتقبل الأمور كما هي بعد أن عرفتها على حقيقتها، ثم صياغتها في كلمات، لتخرج قطعاً من النور الصافي على انطلاقها من أتون الشمس الملتهب بالانفجارات، ولا أحد سيتساءل عن مصدر الإلهام في مقال محكم، مصقول، أنيق وفاخر، لا أحد سيبحث عن الغضب الذي دفعك يوماً ما إلى الكتابة. يبدو لي أحياناً أنك قادرٌ على التوقف عن اجترار الوجع والمضي في حياتك بهدوء ولا مبالاة. في كهف الوحدة نسجتَ شرنقتك حيث نضجت ونبتت أجنحة أفكارك، فيها حملقتَ طويلاً في داخلك وفي وجهك أمام المرآة، فأصبحت رجلاً قوياً لا يشقّ له غبار، بأكثر مما كان يعني هنريك إبسن.

على كل حال فإن أفضل ما يمكن أن تفعله مع الذكريات المحزنة ليس تجنبها، فتجاهلها يتركها حيّة كامنة لتنخر في الكيان ببطء وتسببُ تلفاً في الأعصاب والذهنية؛ ولكن في التبوّل عليها في سكينة، أن يصبح هدفك هو التحرك بخفة ومثانتك الآن مرتاحة تماماً، فقط حافظ على اتزانك ولا تفرّغ ذاتك أو أفكارك أولاً بأول، وتذكر أنّ ما طاب من النبيذ ما عُتّق منه بعناية. انس الماضي وتوقف عن اجتراره، واعلم أن رموزه لا يستحقون منك سوى النسيان والصفح الجميل. النسيان هو الانتقام الأكثر إيلاما، نسيان من تخلوا عنك ممن كنت تظنهم أحبابك، نسيان حتى أعدائك، أو من صنعت منهم أعدائك، ثق أنهم اليوم يشعرون بالخسارة أكثر منك ألف مرة، كلهم ماتوا قبل أن تطلق عليهم رصاصة واحدة. أما أنت فالحياة أمامك، ويوماً ما ستجد السعادة، وستصبح رجلاً سعيداً

 

Picasso

هذه الصورة النادرة للفنان بابلو بيكاسو وهو يعمل على لوحته الأشهر غرنيكا، اللوحة التي استلهم فيها أشهر لوحات الفنانين القدامى عن الحرب، والتي اختار أن يجعلها بلون وحيد، تعبيراً عن الحزن وكرب ما بعد الصدمة، فكانت ولا تزال أحد أيقونات الفن الحديث. إقرأ أكثر عن هذه اللوحة العظيمة هنــــا

Advertisements

One thought on “تحقق المونوكروم

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s